ابن الجوزي
84
زاد المسير في علم التفسير
أعلاها الطير ، وفي وسطها الناس ، وفي أسفلها السباع . وزعم مقاتل أنه عمل السفينة في أربعمائة سنة . قوله تعالى : ( وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ) فيه قولان : أحدهما : أنهم رأوه يبني السفينة وما رأوا سفينة قط ، فكانوا يسخرون ويقولون : صرت بعد النبوة نجارا ؟ وهذا قول ابن إسحاق . والثاني : أنهم قالوا له : ما تصنع ؟ فقال : أبني بيتا يمشي على الماء ، فسخروا من قوله ، وهذا قول مقاتل . وفي قوله : ( إن تسخروا منا فانا نسخر منكم ) خمسة أقوال : أحدها : إن تسخروا من قولنا فانا نسخر من غفلتكم . والثاني : إن تسخروا من فعلنا عند بناء السفينة ، فانا نسخر منكم عند الغرق ، ذكره المفسرون . والثالث : إن تسخروا منا في الدنيا ، فانا نسخر منكم في الآخرة ، قاله ابن جرير والرابع : إن تستجهلونا ، فانا نستجهلكم ، قاله الزجاج . والخامس : إن تسخروا منا ، فانا نستنصر الله عليكم ، فسمى هذا سخرية ، ليتفق اللفظان كما بينا في قوله ( تعالى ) : ( الله يستهزئ بهم ) هذا قول ابن الأنباري . قال ابن عباس : لم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر ، فلذلك سخروا منه ، وإنما مياه البحار بقية الطوفان . * * * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ( 39 ) قوله تعالى : ( فسوف تعلمون ) هذا وعيد ، ومعناه : فسوف تعلمون من هو أحق بالسخرية ، ومن هو أحمد عاقبه . قوله تعالى : ( من يأتيه عذاب يخزيه ) أي : يذله ، وهو الغرق . ( ويحل عليه ) أي : ويجب عليه ( عذاب مقيم ) في الآخرة . * * * حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ( 40 )