ابن الجوزي
79
زاد المسير في علم التفسير
أحدها : أن المعنى : ما نرى أتباعك إلى سفلتنا وأرذالنا في بادي الرأي لكل ناظر ، يعنون أن ما وصفناهم به من النقص لا يخفى على أحد فيخالفنا ، هذا مذهب مقاتل في آخرين . والثاني : أن المعنى : أن هؤلاء القوم اتبعوك في ظاهر ما يرى منهم ، وطويتهم على خلافك . والثالث : أن المعنى : اتبعوك في ظاهر رأيهم ، ولم يتدبروا ما قلت ، ولو رجعوا إلى التفكر لم يتبعوك ، ذكر هذين القولين الزجاج . قال ابن الأنباري : وهذه الثلاثة الأقوال على قراءة من لم يهمز ، لأنه من بدا ، يبدو : إذا ظهر . فأما من همز ( بادئ ) فمعناه : ابتداء الرأي ، أي : اتبعوك أول ما ابتدؤوا ينظرون ، ولو فكروا لم يعدلوا عن موافقتنا في تكذيبك . قوله تعالى : ( وما نرى لكم علينا من فضل ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : من فضل في الخلق ، قاله ابن عباس . والثاني : في الملك والمال ونحو ذلك ، قاله مقاتل . والثالث : ما فضلتم باتباعكم نوحا ، ومخالفتكم لنا بفضيلة نتبعكم طلبا لها ، ذكره أبو سليمان الدمشقي . قوله تعالى : ( بل نظنكم كاذبين ) فيه قولان : أحدهما : نتيقنكم ، قاله الكلبي . والثاني : نحسبكم ، قاله مقاتل . قوله تعالى : ( أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) أي : على يقين وبصيرة . قال ابن الأنباري : وقوله : ( إن كنت ) شرط لا يوجب شكا يلحقه ، لكن الشك يلحق المخاطبين من أهل الزيغ ، فتقديره : إن كنت على بينة من ربي عندكم . ( وآتاني رحمة من عنده ) فيها قولان : أحدهما : أنها النبوة ، قاله ابن عباس . والثاني : الهداية ، قاله مقاتل . قوله تعالى : ( فعميت عليكم ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : ( فعميت ) بتخفيف الميم وفتح العين . قال ابن قتيبة : والمعنى : عميتم عنها ، يقال : عمي علي هذا الأمر : إذا لم أفهمه ، وعميت عنه بمعنى . قال الفراء : وهذا مما حولت العرب الفعل إليه ، وهو في الأصل لغيره ، كقولهم : دخل الخاتم في يدي ، والخف في رجلي ، وإنما الإصبع تدخل في الخاتم ، والرجل في الخف ، واستجازوا ذلك إذ كان المعنى معروفا . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم : ( فعميت ) بضم العين وتشديد الميم . قال ابن الأنباري : ومعنى ذلك : فعماها الله عليكم إذ كنتم ممن حكم عليه بالشقاء . وكذلك قرأ أبي بن كعب ، والأعمش : ( فعماها عليكم ) .