ابن الجوزي
75
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ) قال ابن عباس : لم يعجزوني أن آمر الأرض فتخسف بهم . ( وما كان لهم من دون الله من أولياء ) أي : لا ولي لهم ممن يعبدون يمنعهم مني . وقال ابن الأنباري : لما كانت عادة العرب جارية بقولهم : لا وزر لك مني ولا نفق ، يعنون بالوزر : الجبل ، والنفق : السرب ، وكلاهما يلجأ إليه الخائف ، أعلم الله تعالى أن هؤلاء الكافرين لا يسبقونه هربا ، ولا يجدون ما يحجز بينهم وبين عذابه من جميع ما يستر من الأرض ويلجأ إليه . قال : وقوله : ( من أولياء ) يقتضي محذوفا ، تلخيصه : من أولياء يمنعونهم من عذاب الله ، فحذف هذا لشهرته . قوله تعالى : ( يضاعف لهم العذاب ) يعني الرؤساء الصادين عن سبيل الله ، وذلك لإضلالهم أتباعهم واقتداء غيرهم بهم . وقال الزجاج : ( لم يكونوا معجزين في الأرض ) أي : في دار الدنيا ، ولا لهم ولي يمنع من انتقام الله ، ثم استأنف ( يضاعف لهم العذاب ) لعظم كفرهم بنبيه وبالبعث والنشور . قوله تعالى : ( ما كانوا يستطيعون السمع ) فيمن عني بهذا قولان . أحدهما : أنهم الكفار . ثم في معناه ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم لم يقدروا على استماع الخير ، وإبصار الحق ، وفعل الطاعة ، لأن الله تعالى حال بينهم وبين ذلك ، هذا معنى قول ابن عباس ، ومقاتل . والثاني : أن المعنى : يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ولا يسمعونه ، وبما كانوا يبصرون حجج الله ولا يعتبرون بها ، فحذف الباء ، كما تقول العرب : لأجزينك ما عملت ، وبما عملت ، ذكره الفراء ، وأنشد ابن الأنباري في الاحتجاج له : نغالي اللحم للأضياف نيئا * ونبذله إذا نضج القدور أراد : نغالي باللحم . والثالث : أنهم من شدة كفرهم وعداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يستطيعون ليفهموا ما يقول ، قاله الزجاج . والقول الثاني : أنهم الأصنام ، فالمعنى ما كان للآلهة سمع ولا بصر ، فلم تستطع لذلك السمع ، ولم تكن تبصر . فعلى هذا ، يرجع قوله : ( ما كانوا ) إلى أوليائهم ، وهي الأصنام ، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس أيضا . * * *