ابن الجوزي

72

زاد المسير في علم التفسير

والثامن : أنه صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه ومخايله ، لأن كل عاقل نظر إليه علم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي هاء ( منه ) ثلاثة أقوال . أحدها : أنها ترجع إلى الله تعالى . والثاني : إلى النبي صلى الله عليه وسلم . والثالث : إلى البينة . قوله تعالى : ( ومن قبله ) في هذه الهاء ثلاثة أقوال : أحدها : أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله مجاهد . والثاني : إلى القرآن ، قاله ابن زيد . والثالث : إلى الإنجيل ، أي : ومن قبل الإنجيل ( كتاب موسى ) يتبع محمدا بالتصديق له ، ذكره ابن الأنباري . قال الزجاج : والمعنى : وكان من قبل هذا كتاب موسى دليلا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون ( كتاب موسى ) عطفا على قوله ( تعالى ) : ( ويتلوه شاهد منه ) أي : ويتلوه كتاب موسى ( عليه السلام ) لأن موسى وعيسى ( عليهما السلام ) بشرا بالنبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل . ونصب ( إماما ) على الحال . فإن قيل : كيف تتلوه التوراة ، وهي قبله ؟ قيل : لما بشرت به ، كانت كأنها تاليه له ، لأنها تبعته بالتصديق له . وقال ابن الأنباري : ( كتاب موسى ) مفعول في المعنى ، لأن جبريل تلاه على موسى ( عليه السلام ) ، فارتفع الكتاب ، وهو مفعول بمضمر بعده ، تأويله : ومن قبله كتاب موسى كذاك ، أي : تلاه جبريل أيضا ، كما تقول العرب : أكرمت أخاك وأبوك ، فيرفعون الأب ، وهو مكرم على الاستئناف ، بمعنى . وأبوك مكرم أيضا . قال : وذهب قوم إلى أن كتاب موسى فاعل ، لأنه تلا محمدا بالتصديق كما تلاه الإنجيل . فصل فتلخيص الآية : أفمن كان على بينة من ربه كمن لم يكن ؟ قال الزجاج : ترك المضاد له ، لأن في ما بعده دليلا عليه ، وهو قوله : ( مثل الفريقين كالأعمى والأصم ) . وقال ابن قتيبة : لما ذكر قبل هذه الآية قوما ركنوا إلى الدنيا ، جاء بهذه الآية ، وتقدير الكلام : أفمن كانت هذه حاله كمن يريد الدنيا ؟ فاكتفى من الجواب بما تقدم ، إذ كان فيه دليل عليه . وقال ابن الأنباري : إنما حذف لانكشاف المعنى ، والمحذوف المقدر كثير في القرآن والشعر ، قال الشاعر : فأقسم لو شئ أتانا رسوله * سواك ، ولكن لم نجد لك مدفعا