ابن الجوزي

62

زاد المسير في علم التفسير

وفي قوله : ( أحكمت آياته ) أربعة أقوال : أحدها : أحكمت فما تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع ، قاله ابن عباس ، واختاره ابن قتيبة . والثاني : أحكمت بالأمر والنهي ، قاله الحسن ، وأبو العالية . والثالث : أحكمت عن الباطل ، أي : منعت ، قاله قتادة ، ومقاتل . والرابع : أحكمت بمعنى جمعت ، قاله ابن زيد . فإن قيل : كيف عم الآيات هاهنا بالإحكام ، وخص بعضها في قوله : ( منه آيات محكمات ) ؟ فعنه جوابان : أحدهما : أن الإحكام الذي عم به هاهنا ، غير الذي خص به هناك . وفي معنى الإحكام العام خمسة أقوال ، قد أسلفنا منها أربعة في قوله : ( أحكمت آياته ) . والخامس : أنه إعجاز النظم والبلاغة وتضمين الحكم المعجزة . ومعنى الإحكام الخاص : زوال اللبس ، واستواء السامعين في معرفة معنى الآية . والجواب الثاني : أن الإحكام في الموضعين بمعنى واحد . والمراد بقوله : ( أحكمت آياته ) : أحكم بعضها بالبيان الواضح ومنع الالتباس ، فأوقع العموم على معنى الخصوص ، كما تقول العرب : قد أكلت طعام زيد ، يعنون : بعض طعامه ، ويقولون : قتلنا ورب الكعبة يعنون : قتل بعضنا ، ذكر ذلك ابن الأنباري . وفي قوله : ( ثم فصلت ) ستة أقوال : أحدها : فصلت بالحلال والحرام ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : فصلت بالثواب والعقاب ، رواه جسر بن فرقد عن الحسن . والثالث : فصلت بالوعد والوعيد ، رواه أبو بكر الهذلي عن الحسن أيضا . والرابع : فصلت بمعنى فسرت ، قاله مجاهد . الخامس : أنزلت شيئا بعد شئ ، ولم تنزل جملة ، ذكره ابن قتيبة . والسادس : فصلت بجميع ما يحتاج إليه من الدلالة على التوحيد ، وتثبيت نبوة الأنبياء ، وإقامة الشرائع ، قاله الزجاج . قوله تعالى : ( من لدن حكيم ) أي : من عنده . * * *