ابن الجوزي
364
زاد المسير في علم التفسير
والرابع : أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة ، وأبي جندل بن سهيل بن عمرو ، وعبد الله بن أسيد الثقفي ، قاله مقاتل . فأما قوله تعالى : ( من بعد ما فتنوا ) فقرأ الأكثرون : " فتنوا " بضم الفاء وكسر التاء ، على معنى : من بعد ما فتنهم المشركون عن دينهم . قال ابن عباس : فتنوا بمعنى : عذبوا . وقرأ عبد الله بن عامر : " فتنوا " بفتح الفاء والتاء ، على معنى : من بعد ما فتنوا الناس عن دين الله ، يشير إلى من أسلم من المشركين . وقال أبو علي : من بعد ما فتنوا أنفسهم بإظهار ما أظهروا للتقية ، لأن الرخصة لم تكن نزلت بعد . قوله تعالى : ( ثم جاهدوا ) أي : قاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وصبروا ) على الدين والجهاد . ( إن ربك من بعدها ) في المكني عنها أربعة أقوال : أحدها : الفتنة ، وهو مذهب مقاتل . والثاني : الفعلة التي فعلوها ، قاله الزجاج . والثالث : المجاهدة ، والمهاجرة ، والصبر . والرابع : المهاجرة . ذكرهما واللذين قبلهما ابن الأنباري . قوله تعالى : ( يوم تأتي ) قال الزجاج : هو منصوب على أحد شيئين ، إما على معنى : إن ربك لغفور يوم تأتي ، وإما على معنى : اذكر يوم تأتي . ومعنى ( تجادل عن نفسها ) أي : عنها . والمراد : أن كل إنسان يجادل عن نفسه . وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لكعب الأحبار : يا كعب خوفنا ، فقال : إن لجهنم زفرة ما يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وقع جاثيا على ركبتيه ، حتى إن إبراهيم خليل الرحمن ليدلي بالخلة فيقول : " يا رب أنا خليلك إبراهيم ، لا أسألك إلا نفسي " ، وإن تصديق ذلك في كتاب الله ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ) . وقد شرحنا معنى " الجدال " في هود . وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ( 112 )