ابن الجوزي
349
زاد المسير في علم التفسير
والرابع : ظلال الشجر والجبال ] ، قاله ابن قتيبة : والخامس : أنه كل شئ له ظل من حائط ، وسقف ، وشجر ، وجبل ، وغير ذلك ، قاله أبو سليمان الدمشقي . قوله تعالى : ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) أي : ما يكنكم من الحر والبرد ، وهي الغيران والأسراب . وواحد الأكنان " كن " وكل شئ وقى شيئا وستره فهو " كن " . ( وجعل لكم سرابيل ) وهي القمص ( تقيكم الحر ) ولم يقل : البرد ، لأن ما وقى من الحر ، وقى من البرد ، وأنشد : وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني وقال الزجاج : إنما خص الحر ، لأنهم كانوا في مكاناتهم أكثر معاناة له من البرد ، وهذا مذهب عطاء الخراساني . قوله تعالى : ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) يريد الدروع التي يتقون بها شدة الطعن والضرب في الحرب . قوله تعالى : ( كذلك يتم نعمته عليكم ) أي : مثلما أنعم الله عليكم بهذه الأشياء ، يتم نعمته عليكم في الدنيا ( لعلكم تسلمون ) والخطاب لأهل مكة ، وكان أكثرهم حينئذ كفارا ، ولو قيل : إنه خطاب للمسلمين ، فالمعنى : لعلكم تدومون على الإسلام ، وتقومون بحقه . وقرأ ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وأبو رجاء : " لعلكم تسلمون " بفتح التاء واللام ، على معنى : لعلكم إذا لبستم الدروع تسلمون من الجراح في الحرب . قوله تعالى : ( فإن تولوا ) أعرضوا عن الإيمان ( فإنما عليك البلاغ المبين ) وهذه عند المفسرين منسوخة بآية السيف . قوله تعالى : ( يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ) وفي هذه النعمة قولان : أحدهما : أنها [ المساكن ] نعم الله عز وجل عليهم في الدنيا . وفي إنكارها ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم يقولون : هذه ورثناها عن آبائنا . روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : نعم الله المساكن ، والأنعام ، وسرابيل الثياب ، والحديد ، يعرفه كفار قريش ، ثم ينكرونه بأن يقولوا : هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم ، وهذا عن مجاهد . والثاني : أنهم يقولون : لولا فلان ، لكان كذا ، فهذا إنكارهم ، قال عون بن عبد الله . والثالث : يعرفون أن النعم من الله ، ولكن يقولون : هذه بشفاعة آلهتنا ، قاله ابن السائب ، والفراء ، وابن قتيبة .