ابن الجوزي
338
زاد المسير في علم التفسير
سبق بيان الأنعام ، وذكرنا معنى " العبرة " في آل عمران والفرق بين " سقى " و " أسقى " في الحجر . فأما قوله : ( مما في بطونه ) فقال الفراء : النعم والأنعام شئ واحد ، وهما جمعان ، فرجع التذكير إلى معنى " النعم " إذ كان يؤدي عن الأنعام ، أنشدني بعضهم . وطاب ألبان اللقاح وبرد فرجع إلى اللبن ، لأن اللبن والألبان في معنى ، قال : وقال الكسائي : أراد : نسقيكم مما في بطون ما ذكرنا ، وهو صواب ، أنشدني بعضهم : مثل الفراخ نتفت حواصله وقال المبرد : هذا فاش في القرآن ، كقوله للشمس : ( هذا ربي ) يعني : هذا الشئ الطالع ، وكذلك ( وإني مرسلة إليهم بهدية ) ثم قال : ( فلما جاء سليمان ) ولم يقل : " جاءت " لأن المعنى : جاء الشئ الذي ذكرنا ، وقال أبو عبيدة : الهاء في " بطونه " للبعض ، والمعنى : نسقيكم مما في بطون البعض الذي له لبن ، لأنه ليس لكل الأنعام لبن ، وقال ابن قتيبة : ذهب بقوله : " مما في بطونه " إلى النعم ، والنعم تذكر وتؤنث ، والفرث : ما في الكرش ، والمعنى : أن اللبن كان طعاما ، فخلص من ذلك الطعام دم ، وبقي فرث في الكرش ، وخلص من ذلك الدم ( لبنا خالصا سائغا للشاربين ) أي : سهلا في الشرب لا يشجى به شاربه ، ولا يغص . وقال بعضهم : سائغا ، أي : لا تعافه النفس وإن كان قد خرج من بين فرث ودم ، وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : إذا استقر العلف في الكرش طحنه فصار أسفله فرثا ، وأعلاه دما ، وأوسطه لبنا ، والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة ، فيجري الدم في العروق ، واللبن في الضرع ، ويبقى الفرث في الكرش . قوله تعالى : ( ومن ثمرات النخيل والأعناب ) تقدير الكلام : ولكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا . والعرب تضمر " ما " كقوله : ( وإذا رأيت ثم ) أي : ما ثم . والكناية في " منه " عائدة على " ما " المضمرة . وقال الأخفش : إنما لم يقل : منهما ، لأنه أضمر الشئ ، كأنه قال : ومنها شئ تتخذون منه سكرا . وفي المراد بالسكر ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الخمر ، قاله ابن مسعود ، وابن عمر ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ،