ابن الجوزي
328
زاد المسير في علم التفسير
ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه ، قال : خذ بارك الله لك فيه ، هذا ما وعدك الله في الدنيا ، وما ذخر لك في الآخرة أفضل ، ثم يتلو هذه الآية . ثم إن الله أثنى عليهم ومدحهم بالصبر فقال : ( الذين صبروا ) أي : على دينهم ، لم يتركوه لأذى نالهم ، وهم في ذلك واثقون بربهم . وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( 43 ) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ( 44 ) قوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ) قال المفسرون : لما أنكر مشركو قريش نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا ، فهلا بعث إلينا ملكا ! فنزلت هذه الآية ، والمعنى : أن الرسل كانوا مثلك آدميين ، إلا أنهم يوحى إليهم ، وقرأ حفص عن عاصم : " نوحي " بالنون وكسر الحاء . ( فاسألوا ) يا معشر المشركين ( أهل الذكر ) وفيهم أربعة أقوال : أحدها : أنهم أهل التوراة والإنجيل ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : أهل التوراة ، قاله مجاهد . والثالث : أهل القرآن ، قاله ابن زيد . والرابع : العلماء بأخبار من سلف ، ذكره الماوردي . وفي قوله تعالى : ( إن كنتم لا تعلمون ) قولان : أحدهما : لا تعلمون أن الله تعالى بعث رسولا من البشر . والثاني : لا تعلمون أن محمدا رسول الله ، فعلى القول الأول ، جائز أن يسأل من آمن برسول الله ومن كفر ، لأن أهل الكتاب والعلم بالسير متفقون على أن الأنبياء كلهم من البشر ، وعلى الثاني إنما يسأل من آمن من أهل الكتاب ، وقد روي عن مجاهد ( فاسألوا أهل الذكر ) قال : عبد الله بن سلام ، وعن قتادة ، قال : سليمان الفارسي . قوله تعالى : ( بالبينات والزبر ) في هذه " الباء " قولان : أحدهما : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، تقديره : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا أرسلناهم بالبينات . والزبر : الكتب . وقد شرحنا هذا في آل عمران .