ابن الجوزي

291

زاد المسير في علم التفسير

ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون ( 26 ) والجان خلقناه من قبل من نار السموم ( 27 ) وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ( 29 ) قوله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان ) يعني آدم ( من صلصال ) وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الطين اليابس الذي لم تصبه نار ، فإذا نقرته صل ، فسمعت له صلصلة ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، وأبو عبيدة ، وابن قتيبة . والثاني : أنه الطين المنتن ، قاله مجاهد ، والكسائي ، وأبو عبيد . ويقال : صل اللحم : إذا تغيرت رائحته . والثالث : أنه طين خلط برمل ، فصار له صوت عند نقره ، قاله الفراء . فأما الحمأ ، فقال أبو عبيدة : هو جمع حمأة ، وهو الطين المتغير . وقال ابن الأنباري : لا خلاف أن الحمأ : الطين الأسود المتغير الريح ، وروى السدي عن أشياخه قال : بل التراب حتى صار طينا . ثم ترك حتى أنتن وتغير ، وفي المسنون أربعة أقوال : أحدها : أنه المنتن أيضا ، رواه مجاهد عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وقتادة في آخرين . قال ابن قتيبة : المسنون : المتغير الرائحة . والثاني : أنه الطين الرطب ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس . والثالث : أنه المصبوب ، قاله أبو عمرو بن العلاء ، وأبو عبيد . والرابع : أنه المحكوك ، ذكره ابن الأنباري ، قال : فمن قال : المسنون : المنتن ، قال : هو من قولهم : قد تسنى الشئ : إذا أنتن ، ومنه قوله تعالى : ( لم يتسنه ) ، وإنما قيل له : مسنون ، لتقادم السنين عليه ، ومن قال : الطين الرطب ، قال : سمي مسنونا ، لأنه يسيل وينبسط ، فيكون كالماء المسنون المصبوب . ومن قال : المصبوب ، احتج بقول العرب : قد سننت علي الماء : إذا صببته . ويجوز أن يكون المصبوب على صورة ومثال ، من قوله : رأيت سنة وجهه ، أي : صورة وجهه . قال الشاعر : تريك سنة وجهه غير مقرفة * ملساء ليس بها خال ولا ندب ومن قال : المحكوك ، احتج بقول العرب : سننت الحجر على الحجر ، إذا حككته عليه .