ابن الجوزي
288
زاد المسير في علم التفسير
يزيد ولا ينقص ، فما من عام أكثر مطرا من عام ، غير أن الله تعالى يصرفه إلى من يشاء ، ويمنعه من يشاء . وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين ( 22 ) وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون ( 23 ) قوله تعالى : ( وأرسلنا الرياح لواقح ) وقرأ حمزة ، وخلف : " الريح " . وكان أبو عبيدة يذهب إلى أن " لواقح " بمعنى ملاقح ، فسقطت الميم منه ، قال الشاعر : ليبك يزيد بائس لضراعة * وأشعث ممن طوحته الطوائح أراد : المطاوح ، فحذف الميم ، فمعنى الآية عنده : وأرسلنا الرياح ملقحة ، فيكون ها هنا فاعل ، بمعنى مفعل ، كما أتى فاعل بمعنى مفعول ، كقوله تعالى : ( ماء دافق ) أي : مدفوق ، و ( عيشة راضية ) أي : مرضية ، وكقولهم : ليل نائم ، أي : منوم فيه ، ويقولون : أبقل النبت ، فهو بأقل ، أي : مبقل . قال ابن قتيبة : يريد أبو عبيدة أنها تلقح الشجر ، وتلقح السحاب كأنها تنتجه . ولست أدري ما اضطره إلى هذا التفسير بهذا الاستكراه وهو يجد العرب تسمي الرياح لواقح ، والريح لاقحا ، قال الطرماح ، وذكر بردا مده على أصحابه في الشمس يستظلون به : قلق لأفنان الرياح * للاقح منها وحائل فاللاقح : الجنوب ، والحائل : الشمال ، ويسمون الشمال أيضا : عقيما ، والعقيم : التي لا تحمل ، كما سموا الجنوب لا قحا ، قال كثير : ومر بسفساف التراب عقيمها يعني : الشمال . وإنما جعلوا الريح لاقحا ، أي : حاملا ، لأنها تحمل السحاب وتقلبه وتصرفه ، ثم تحله فينزل ، فهي على هذا حامل ، ويدل على هذا قوله [ تعالى ] : ( حتى إذا أقلت سحابا ) أي : حملت ، قال ابن الأنباري : شبه ما تحمله الريح من الماء وغيره ، بالولد الذي تشتمل عليه الناقة ، وكذلك يقولون : حرب لاقح ، لما تشتمل عليه من الشر ، فعلى قول أبي عبيدة ، يكون معنى " لواقح " : أنها ملقحة لغيرها ، وعلى قول ابن قتيبة : أنها لاقحة نفسها ، وأكثر الأحاديث تدل على القول الأول . قال عبد الله بن مسعود : يبعث الله الرياح لتلقح السحاب ، فتحمل الماء ،