ابن الجوزي
259
زاد المسير في علم التفسير
ورائه " أي : قدامة وأمامه ، يقال : الموت من ورائك ، وأنشد : أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم والفلاة ورائيا والثاني : أنها بمعنى : " بعد " ، قال ابن الأنباري : " من ورائه " أي : من بعد يأسه ، فدل " خاب " على اليأس ، فكنى عنه ، وحملت " وراء " على معنى : " بعد " كما قال النابغة : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء الله للمرء مذهب أراد : ليس بعد الله مذهب . قال الزجاج : والوراء يكون بمعنى الخلف والقدام ، لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك ، قال الشاعر : أليس ورائي إن تراخت منيتي * لزوم العصا تحنى عليها الأصابع قال : وليس الوراء من الأضداد كما يقول بعض أهل اللغة . وسئل ثعلب : لم قيل : الوراء للأمام ؟ فقال : الوراء : اسم لما توارى عن عينك ، سواء أكان أمامك أو خلفك . وقال الفراء : إنما يجوز هذا في المواقيت من الأيام والليالي والدهر ، تقول : وراءك برد شديد ، وبين يديك برد شديد . ولا يجوز أن تقول للرجل وهو بين يديك : هو وراءك ، ولا للرجل : وراءك : هو بين يديك . قوله تعالى : ( ويسقى من ماء صديد ) قال عكرمة ، ومجاهد ، واللغويون : الصديد : القيح والدم ، قاله قتادة ، وهو ما يخرج من بين جلد الكافر ولحمه . وقال القرظي : هو غسالة أهل النار ، وذلك ما يسيل من فروج الزناة . وقال ابن قتيبة : المعنى : يسقى الصديد مكان الماء ، قال : ويجوز أن يكون على التشبيه ، أي : ما يسقى ماء صديد . قوله تعالى : ( يتجرعه ) والتجرع : تناول المشروب جرعة جرعة ، لا في مرة واحدة ، وذلك لشدة كراهته له ، وإنما يكره على شربه . قوله تعالى : ( ولا يكاد يسيغه ) قال الزجاج : لا يقدر على ابتلاعه ، تقول : ساغ لي الشئ ، وأسغته . وروى أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يقرب إليه فيكرهه ، فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره " . قوله تعالى : ( ويأتيه الموت ) أي : هم الموت وكربه وألمه ( من كل مكان ) وفيه ثلاثة أقوال :