ابن الجوزي

218

زاد المسير في علم التفسير

عشرة سنة في أهنأ عيش ، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف أن يحمل إلى الشام حتى يدفنه عند أبيه إسحاق ، ففعل به ذلك ، وكان عمره مائة وسبعا وأربعين سنة ، ثم إن يوسف تاق إلى الجنة ، وعلم أن الدنيا لا تدوم فتمنى الموت ، قال ابن عباس ، وقتادة : ولم يتمن الموت نبي قبله ، فقال : ( رب قد آتيتني من الملك ) يعني : ملك مصر ( وعلمتني من تأويل الأحاديث ) وقد سبق تفسيرها وفي " من " قولان : أحدهما : أنها صلة ، قاله مقاتل . والثاني : أنها للتبعيض ، لأنه لم يؤت كل الملك ، ولا كل تأويل الأحاديث . قوله تعالى : ( فاطر السماوات والأرض ) قد شرحناه في ( الأنعام ) ( أنت وليي ) أي : الذي تلي أمري ( توفني مسلما ) قال ابن عباس : يريد : لا تسلبني الإسلام حتى تتوفاني عليه . وكان ابن عقيل يقول : لم يتمن يوسف الموت ، وإنما سأل أن يموت على صفة ، والمعنى : توفني إذا توفيتني مسلما ، وهذا الصحيح . قوله تعالى : ( وألحقني بالصالحين ) والمعنى : ألحقني بدرجاتهم ، وفيهم قولان : أحدهما : أنهم أهل الجنة ، قاله عكرمة . والثاني : آباؤه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، قاله الضحاك ، قالوا : فلما احتضر يوسف ، أوصى إلى يهوذا ، ومات ، فتشاح الناس في دفنه ، كل يحب أن يدفن في محلته رجاء البركة ، فاجتمعوا على دفنه في النيل ليمر الماء عليه ويصل إلى الجميع ، فدفنوه في صندوق من رخام ، فكان هنا لك إلى أن حمله موسى حين خرج من مصر ودفنه بأرض كنعان . قال الحسن : مات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة . وذكر مقاتل أنه مات بعد يعقوب بسنتين . ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ( 102 ) قوله تعالى : ( ذلك من أنباء الغيب ) أي : ذلك الذي قصصنا عليك من أمر يوسف وإخوته من الأخبار التي كانت غائبة عنك ، فأنزلته عليك دليلا على نبوتك . ( وما كنت لديهم ) أي : عند إخوة يوسف ( إذ أجمعوا أمرهم ) أي : عزموا على إلقائه في الجب ( وهم يمكرون ) بيوسف ، وفي هذا احتجاج على صحة نبوة نبينا عليه السلام ، لأنه لم يشاهد تلك القصة ، ولا كان يقرأ الكتاب ، وقد أخبر عنها بهذا الكلام المعجز ، فدل على أنه أخبر بوحي . وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ( 103 ) وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر