ابن الجوزي
214
زاد المسير في علم التفسير
والثالث : الشقاء والعناء ، قاله مقاتل ، يريد بذلك شقاء الدنيا . فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون ( 96 ) قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ( 97 ) قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم ( 98 ) قوله تعالى : ( فلما أن جاء البشير ) فيه قولان : أحدهما : أنه يهوذا ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال وهب بن منبه ، والسدي ، والجمهور . والثاني : أنه سمعون ، قاله الضحاك . فإن قيل : ما الفرق بين قوله ها هنا : ( فلما أن جاء ) وقال في موضع : ( فلما جاءهم ) . فالجواب : أنهما لغتان لقريش خاطبهم الله بهما جميعا ، فدخول " أن " لتوكيد مضي الفعل ، وسقوطها للاعتماد على إيضاح الماضي بنفسه ، ذكره ابن الأنباري . قوله تعالى : ( ألقاه ) يعني القميص ( على وجهه ) يعني يعقوب ( فارتد بصيرا ) ، الارتداد : رجوع الشئ إلى حال قد كان عليها . قال ابن الأنباري : إنما قال : ارتد ، ولم يقل : رد ، لأن هذا من الأفعال المنسوبة إلى المفعولين ، كقولهم : طالت النخلة ، والله حركها . قال الضحاك : رجع إليه بصره بعد العمى ، وقوته بعد الضعف ، وشبابه بعد الهرم ، وسروره بعد الحزن . وروى يحيى بن يمان عن سفيان قال : لما جاء البشير يعقوب ، قال : على أي دين تركت يوسف ؟ قال : على الإسلام ، قال : الآن تمت النعمة . قوله تعالى : ( ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون ) فيه أقوال قد سبق ذكرها قبل هذا بقليل . قوله تعالى : ( يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا ) سألوه أن يستغفر لهم ما أتوا ، لأنه نبي مجاب الدعوة . ( قال سوف أستغفر لكم ربي ) في سبب تأخيره لذلك ثلاثة أقوال : أحدها : أنه أخرهم لانتظار الوقت الذي هو مظنة الإجابة ، ثم فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه أخرهم إلى ليلة الجمعة ، رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال وهب : كان