ابن الجوزي
163
زاد المسير في علم التفسير
كيد ، فقالت سابقة بالقول مبرئة لنفسها من الأمر ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ) قال ابن عباس : تريد الزنى ( إلا أن يسجن ) أي : ما جزاؤه إلا السجن ( أو عذاب أليم ) تعني الضرب بالسياط ، فغضب يوسف حينئذ وقال : ( هي راودتني عن نفسي ) * وقال وهب بن منبه : قال له العزيز حينئذ : أخنتني يا يوسف في أهلي ، وغدرت بي ، وغررتني بما كنت أرى من صلاحك ! فقال حينئذ : ( هي راودتني عن نفسي ) . قوله تعالى : ( وشهد شاهد من أهلها ) وذلك أنه لما تعارض قولاهما ، احتاجا إلى شاهد يعلم به قول الصادق . وفي ذلك الشاهد ثلاثة أقوال : أحدها : أنه كان صبيا في المهد ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وشهر بن حوشب عن أبي هريرة ، وبه قال سعيد بن جبير ، والضحاك ، وهلال بن يساف في آخرين . والثاني : [ أنه كان من خاصة الملك . رواه ابن مليكة عن ابن عباس ] وقال أبو صالح عن ابن عباس : كان ابن عم لها ، وكان رجلا حكيما ، فقال : قد سمعنا الاشتداد والجلبة من وراء الباب ، فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة وهو كاذب ، وإن كان من خلفه فهو صادق وأنت كاذبة ، وقال بعضهم : كان ابن خالة المرأة . والثالث : أنه شق القميص ، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وفيه ضعف ، لقوله : " من أهلها " . فإن قيل : كيف وقعت شهادة الشاهد ها هنا معلقة بشرط ، والشارط غير عالم بما يشرطه ؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري . أحدهما : أن الشاهد شاهد بأمر قد علمه ، فكأنه سمع بعض كلام يوسف وأزليخا ، فعلم ، غير أنه أوقع في شهادته شرطا ليلزم المخاطبين قبول شهادته من جهة العقل والتمييز ، فكأنه قال : هو الصادق عندي ، فإن تدبرتم ما أشترطه لكم ، عقلتم قولي ، ومثل هذا قول الحكماء : إن كان القدر حقا ، فالحرص باطل ، وإن كان الموت يقينا ، فالطمأنينة إلى الدنيا حمق . والجواب الثاني أن الشاهد لم يقطع بالقول ، ولم يعلم حقيقة ما جرى ، وإنما قال ما قال على جهة إظهار ما يسنح له من الرأي ، فكأن معنى قوله : " وشهد شاهد " : أعلم وبين . فقال : الذي عندي من الرأي أن نقيس القميص ليوقف على الخائن . فهذان الجوابان يدلان على أن المتكلم رجل . فإن قلنا : إنه صبي في المهد ، كان دخول الشرط مصححا لبراءة يوسف ، لأن كلام مثله أعجوبة ومعجزة لا يبقى معها شك .