ابن الجوزي

39

زاد المسير في علم التفسير

والثاني : أنه نبه بذلك عباده على تعظيم الحساب ، وأعلمهم أنه لا يفوته ما يصنعون ، لأن من يثبت مالا ثواب فيه ولا عقاب ، فهو إلى إثبات ما فيه ثواب وعقاب أسرع . والثالث : أن المراد بالكتاب : العلم ، فالمعنى : أنها مثبتة في علمه . وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ( 60 ) قوله تعالى : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ) يريد به النوم ، لأنه قبض الأرواح عن التصرف ، كما يقبض بالموت . وقال ابن عباس : يقبض أرواحكم في منامكم . وجرحتم : بمعنى كسبتم . ( ثم يبعثكم ) أي : يوقظكم فيه ، أي : في النهار . ( ليقضى أجل مسمى ) أي : لتبلغوا الأجل المسمى لانقطاع حياتكم ، فدل باليقظة بعد النوم على البعث بعد الموت . وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ( 61 ) قوله تعالى : ( ويرسل عليكم حفظة ) الحفظة : الملائكة ، واحدهم : حافظ ، والجمع : حفظة ، مثل كاتب وكتبة ، وفاعل وفعلة . وفيما يحفظونه قولان : أحدهما : أعمال بني آدم ، قاله ابن عباس . والثاني : أعمالهم وأجسادهم ، قاله السدي . قوله تعالى : ( توفته رسلنا ) وقرأ حمزة : " توفاه رسلنا " وحجته أنه فعل مسند إلى مؤنث غير حقيقي ، وإنما التأنيث للجمع ، فهو مثل : ( وقال نسوة ) . وفي المراد بالرسل ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم أعوان ملك الموت ، قاله ابن عباس . وقال النخعي : أعوانه يتوفون النفوس ، وهو يأخذها منهم . والثاني : أن المراد بالرسل : ملك الموت وحده ، قاله مقاتل . والثالث : أنهم الحفظة ، قاله الزجاج . قوله تعالى : ( وهم لا يفرطون ) قال ابن عباس : لا يضيعون . فإن قيل : كيف الجمع بين