ابن الجوزي

36

زاد المسير في علم التفسير

فإن قيل : كيف انفردت لام " كي " في قوله : " ولتستبين " وسبيلها أن تكون شرطا لفعل يتقدمها أو يأتي بعدها ؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري بجوابين : أحدهما : أنها شرط لفعل مضمر ، يراد به : ونفعل ذلك لكي تستبين . والثاني : أنها معطوفة على لام مضمرة ، تأويله : نفصل الآيات ليتكشف أمرهم ، ولتستبين سبيلهم . قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ( 56 ) قوله تعالى : ( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ) يعني الأصنام . وفي معنى ( تدعون ) قولان : أحدهما : تدعونهم آلهة . والثاني : تعبدون ، قاله ابن عباس . وأهواؤهم : دينهم . قال الزجاج : أراد إنما عبدتموها على طريق الهوى ، لا على طريق البينة والبرهان . ومعنى " إذا " معنى الشرط ، والمعنى : قد ضللت إن عبدتها . وقرأ طلحة ، وابن أبي ليلى : " قد ضللت " بكسر اللام . قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ( 57 ) قوله تعالى : ( قل إني على بينة من ربي ) سبب نزولها أن النضر بن الحارث وسائر قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به ، استهزاء ، وقام النضر عند الكعبة وقال : اللهم إن كان ما يقول حقا ، فائتنا بالعذاب ، فنزلت هذه الآية ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . فأما البينة ، فهي الدلالة التي تفصل بين الحق والباطل . قال الزجاج : أنا على أمر بين ، لا متبع لهوى . قوله تعالى : ( وكذبتم به ) في هاء الكناية ، ثلاثة أقوال : أحدها : أنها ترجع إلى الرب . والثاني : ترجع إلى البيان . والثالث : ترجع إلى العذاب الذي طلبوه استهزاء .