ابن الجوزي

349

زاد المسير في علم التفسير

( وضاقت عليهم أنفسهم ) بالهم والغم . ( وظنوا ) أي : أيقنوا ( أن لا ملجأ ) أي : لا معتصم من الله ومن عذابه إلا هو . ( ثم تاب عليهم ) أعاد التوبة تأكيدا ، ( ليتوبوا ) قال ابن عباس : ليستقيموا . وقال غيره : وفقهم للتوبة ليدوموا عليها ولا يرجعوا إلى ما يبطلها . وسئل بعضهم عن التوبة النصوح ، فقال : أن تضيق على التائب الأرض ، وتضيق عليه نفسه ، كتوبة كعب وصاحبيه . يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونا مع الصادقين ( 119 ) قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) في سبب نزولها قولان : أحدهما : أنها نزلت في قصة الثلاثة المتخلفين . والثاني : أنها في أهل الكتاب . والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في إيمانكم بمحمد وكونوا مع الصادقين . وفي المراد بالصادقين خمسة أقوال : أحدها : أنه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قاله ابن عمر . والثاني : أبو بكر وعمر ، قاله سعيد بن جبير ، والضحاك . وقد قرأ ابن السميفع ، وأبو المتوكل ، ومعاذ القارئ : " مع الصادقين " بفتح القاف وكسر النون على التثنية . والثالث : أنهم الثلاثة الذين خلفوا ، صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم عن تأخرهم ، قاله السدي . والرابع : أنهم المهاجرون ، لأنهم لم يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد ، قاله ابن جريج . قال أبو سليمان الدمشقي : وقيل : إن أبا بكر الصديق احتج بهذه الآية يوم السقيفة ، فقال : يا معشر الأنصار ، إن الله يقول في كتابه : ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا ) إلى قوله [ تعالى ] : ( أولئك هم الصادقون ) من هم ؟ قالت الأنصار : أنتم هم . قال : فإن الله تعالى يقول : ( اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) فأمركم أن تكونوا معنا ، ولم يأمرنا أن نكون معكم ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء . والخامس : أنه عام ، قاله قتادة . و " مع " بمعنى : " من " ، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود : " وكونوا من الصادقين " . ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا