ابن الجوزي
339
زاد المسير في علم التفسير
أحدهما : أن يضمر - ومنهم الذين اتخذوا - كقوله [ تعالى ] : أكفرتم ، المعنى : فيقال لهم : أكفرتم . والثاني : أن يضمر الخبر بعد ، كما أضمر في قوله [ تعالى ] : ( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ) المعنى : ينتقم منهم ويعذبون . قال أهل التفسير : لما اتخذ بنو عمرو بن عوف مسجد قباء ، وبعثوا إلى رسول الله ، فأتاهم ، فصلى فيه ، حسدهم إخوتهم بنو غنم بن عوف ، وكانوا من منافقي الأنصار ، فقالوا : نبني مسجدا ، ونرسل إلى رسول الله فيصلي فيه ، ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام ، وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية وتنصر ، فلما قدم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] المدينة ، عاداه ، فخرج إلى الشام ، وأرسل إلى المنافقين أن أعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح ، وابنوا لي مسجدا ، فإني ذاهب إلى قيصر فآتي بجند الروم فأخرج محمدا وأصحابه ، فبنوا هذا المسجد إلى جنب مسجد قباء ، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا : خذام بن خالد ومن داره أخرج المسجد ، ونبتل بن الحارث ، وبجاد بن عثمان ، وثعلبة بن حاطب ، ومعتب ابن قشير ، وعباد بن حنيف ، ووديعة بن ثابت ، وأبو حبيبة بن الأزعر ، وجارية بن عامر ، وابناه يزيد ومجمع ، وكان مجمع إمامهم فيه ، ثم صلحت حاله ، وبحزج جد عبد الله بن حنيف ، وهو الذي قال له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " ما أردت بما أرى " ؟ فقال : والله ما أردت إلا الحسنى ، وهو كاذب . وقال مقاتل : الذي حلف مجمع . وقيل : كانوا سبعة عشر ، فلما فرغوا منه ، أتوا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقالوا : إنا قد ابتنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه ، فدعا بقميصه ليلبسه ، فنزل عليه القرآن وأخبره الله خبرهم ، فدعا معن بن عدي ، ومالك بن الدخشم في آخرين ، وقال : " انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله ، فاهدموه وأحرقوه " ، وأمر به رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف . ومات أبو عامر بالشام وحيدا غريبا . فأما التفسير ، فقال الزجاج : " الذين " في موضع رفع ، المعنى : ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا . و " ضرارا " انتصب مفعولا له ، المعنى : اتخذوه للضرار والكفر والتفريق والإرصاد . فلما حذفت اللام ، أفضى الفعل فنصب . قال المفسرون : والضرار بمعنى المضارة لمسجد قباء ، ( وكفرا ) بالله ورسوله ( وتفريقا بين المؤمنين ) لأنهم كانوا يصلون في مسجد قباء جميعا ، فأرادوا تفريق جماعتهم ، والإرصاد : الانتظار ، فانتظروا به مجئ أبي عامر ، وهو الذي