ابن الجوزي

310

زاد المسير في علم التفسير

عن الأصمعي أنه قال : المسكين أحسن حالا من الفقير . وقال أحمد بن عبيد : المسكين أحسن حالا من الفقير ، لأن الفقير أصله في اللغة : المفقود الذي نزعت فقرة من فقر ظهره ، فكأنه انقطع ظهره من شدة الفقر ، فصرف عن مفقور إلى فقير ، كما قيل : مجروح وجريح ، ومطبوخ وطبيخ ، قال الشاعر : لما رأى لبد النسور تطايرت * رفع القوادم كالفقير الأعزل قال : ومن الحجة لهذا القول قوله [ تعالى ] : ( وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ) فوصف بالمسكنة من له سفينة تساوي مالا ، قال : وهو الصحيح عندنا . قوله تعالى : ( والعاملين عليها ) وهم السعاة لجباية الصدقة ، يعطون منها بقدر أجور أمثالهم ، وليس ما يأخذونه بزكاة . قوله تعالى : ( والمؤلفة قلوبهم ) وهم قوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم على الإسلام بما يعطيهم ، وكانوا ذوي شرف ، وهم صنفان : مسلمون ، وكافرون . فأما المسلمون ، فصنفان ، صنف كانت نياتهم في الإسلام ضعيفة ، فتألفهم تقوية لنياتهم ، كعيينة بن حصن ، والأقرع ، وصنف كانت نياتهم حسنة ، فأعطوا تألفا لعشائرهم من المشركين ، مثل عدي بن حاتم . وأما المشركون ، فصنفان ، صنف يقصدون المسلمين بالأذى ، فتألفهم دفعا لأذاهم ، مثل عامر بن الطفيل ، وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام ، تألفهم بالعطية ليؤمنوا ، كصفوان بن أمية . وقد ذكرت عدد المؤلفة في كتاب " التلقيح " . وحكمهم باق عند أحمد في رواية ، وقال أبو حنيفة ، والشافعي : حكمهم منسوخ . قال الزهري : لا اعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة قلوبهم . قوله تعالى : ( وفي الرقاب ) قد ذكرناه في سورة ( البقرة ) . قوله تعالى : ( والغارمين ) وهم الذين لزمهم الدين ولا يجدون القضاء . قال قتادة : هم ناس عليهم دين من غير فساد ولا إسراف ولا تبذير ، وإنما قال هذا ، لأنه لا يؤمن في حق المفسد إذا قضي دينه أن يعود إلى الاستدانة لذلك ، ولا خلاف في جواز قضاء دينه ودفع الزكاة إليه ، ولكن قتادة قاله على وجه الكراهية . قوله تعالى : ( وفي سبيل الله ) يعني : الغزاة والمرابطين . ويجوز عندنا أن يعطي الأغنياء منهم والفقراء ، وهو قول الشافعي . وقال أبو حنيفة : لا يعطى إلا الفقير منهم . وهل يجوز أن يصرف من الزكاة إلى الحج ، أم لا ؟ فيه عن أحمد روايتان .