ابن الجوزي

301

زاد المسير في علم التفسير

فصل روى عطاء الخراساني عن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة بقوله [ تعالى ] : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) . وقال السدي : نسخت بقوله [ تعالى ] : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) . قوله تعالى : ( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ) قال القاضي أبو يعلى : أوجب الجهاد بالمال والنفس جميعا ، فمن كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للقتال ، فعليه الجهاد بماله ، بأن يعطيه غيره فيغزو به ، كما يلزمه الجهاد بنفسه إذا كان قويا . وإن كان له مال وقوة ، فعليه الجهاد بالنفس والمال . ومن كان معدما عاجزا ، فعليه الجهاد بالنصح لله ورسوله ، لقوله [ تعالى ] : ( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ) . قوله تعالى : ( ذلكم خير لكم ) فيه قولان : أحدهما : ذلكم خير لكم من تركه والتثاقل عنه . والثاني : ذلكم الجهاد خير حاصل لكم ( إن كنتم تعلمون ) مالكم من الثواب . لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ( 42 ) قوله تعالى : ( لو كان عرضا قريبا ) قال المفسرون : نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك . ومعنى الآية : لو كان ما دعوا إليه عرضا قريبا . والعرض : كل ما عرض لك من منافع الدنيا ، فالمعنى : لو كانت غنيمة قريبة ، أو كان سفرا قاصدا ، أي : سهلا قريبا ، لاتبعوك طمعا في المال ( ولكن بعدت عليهم الشقة ) قال ابن قتيبة : الشقة : السفر ، وقال الزجاج : الشقة : الغاية التي تقصد ، وقال ابن فارس : الشقة : مصير إلى أرض بعيدة ، تقول : شق شاقة . قوله تعالى : ( وسيحلفون بالله ) يعني المنافقين إذا رجعتم إليهم ( لو استطعنا ) وقرأ زائدة عن الأعمش ، والأصمعي عن نافع : " لو استطعنا " بضم الواو ، وكذا أين وقع ، مثل ( لو اطلعت عليهم ) ، كأنه لما احتيج إلى حركة الواو ، حركت بالضم لأنها أخت الواو ، والمعنى : لو قدرنا وكان لنا سعة في المال . ( يهلكون أنفسهم ) بالكذب والنفاق ( والله يعلم إنهم لكاذبون ) لأنهم كانوا أغنياء ولم يخرجوا .