ابن الجوزي

29

زاد المسير في علم التفسير

فلان كل شئ ، وكنا عنده في كل سرور ، يريد بهذا العموم تكثير ما يصفه والإطناب فيه ، كقوله [ تعالى ] : ( وأوتيت من كل شئ ) . وقال الحسن : من وسع عليه فلم ير أنه لم يمكر به ، فلا رأي له ، ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له ، فلا رأي له ، ثم قرأ هذه الآية ، وقال : مكر بالقوم ورب الكعبة ، أعطوا حاجاتهم ثم أخذوا . قوله تعالى : ( فإذا هم مبلسون ) في المبلس خمسة أقوال . أحدها : أنه الآيس من رحمة الله عز وجل ، رواه الضحاك عن ابن عباس ، وقال في رواية أخرى : الآيس من كل خير . وقال الفراء : المبلس : اليائس المنقطع رجاؤه ، ولذلك قيل للذي يسكت عند انقطاع حجته ، فلا يكون عنده جواب : قد أبلس . قال العجاج : يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم ! أعرفه ! وأبلسا ! أي : لم يحر جوابا . وقيل : المكرس : الذي قد بعرت فيه الإبل ، وبولت ، فيركب بعضه بعضا . والثاني : أنه المفتضح . قال مجاهد : الإبلاس : الفضيحة . والثالث : أنه المهلك ، قاله السدي . والرابع : أنه المجهود المكروب الذي قد نزل به من الشر مالا يستطيعه ، قاله ابن زيد . والخامس : أنه الحزين النادم ، قاله أبو عبيدة ، وأنشد لرؤبة : وحضرت يوم الخميس الأخماس * وفي الوجوه صفرة وإبلاس أي : اكتئاب ، وكسوف ، وحزن . وقال الزجاج : هو الشديد الحسرة ، الحزين ، اليائس . وقال في موضع آخر : المبلس : الساكت المتحير . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ( 45 ) قوله تعالى : ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا ) قال ابن السائب : دابرهم : الذي يتخلف في آخرهم . والمعنى : أنهم استؤصلوا . وقال أبو عبيدة : دابرهم : آخرهم الذي يدبرهم : قال ابن قتيبة : هو كما يقال : اجتث أصلهم . قال المفسرون : وإنما حمد نفسه على قطع دابرهم ، لأن ذلك إنعام على رسلهم الذين كذبوهم ، وعلم الحمد على كفايته شر الظالمين . قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به أنظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ( 46 )