ابن الجوزي

267

زاد المسير في علم التفسير

فصل فأما التفسير ، فقوله تعالى : ( براءة ) قال الفراء : هي مرفوعة بإضمار " هذه " ، ومثله ( سورة أنزلناها ) . وقال الزجاج : يقال : برئت من الرجل والدين براءة ، وبرئت من المرض ، وبرأت أيضا أبرأ برءا ، وقد رووا : برأت أبرؤ بروءا . ولم نجد في ما لامه همزة : فعلت أفعل ، إلا هذا الحرف . ويقال : بريت القلم ، وكل شئ نحته : أبريه بريا ، غير مهموز . وقرأ أبو رجاء ، ومورق ، وابن يعمر : " براءة " بالنصب . قال المفسرون : والبراءة هاهنا : قطع الموالاة ، وارتفاع العصمة ، وزوال الأمان . والخطاب في قوله [ تعالى ] : ( إلى الذين عاهدتم ) لأصحاب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، والمراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، لأنه هو الذي يتولى المعاهدة ، وأصحابه راضون ، فكأنهم بالرضا عاهدوا أيضا ، وهذا عام في كل من عاهد رسول الله . وقال مقاتل : هم ثلاثة أحياء من العرب : خزاعة ، وبنو مدلج ، وبنو جذيمة . فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ( 2 ) قوله تعالى : ( فسيحوا في الأرض ) أي : انطلقوا فيها آمنين لا يقع بكم منا مكروه . إن قال قائل : هذه مخاطبة شاهد ، والآية الأولى إخبار عن غائب ، فعنه جوابان : أحدهما : أنه جائز عند العرب الرجوع من الغيبة إلى الخطاب . قال عنترة : شطت مزار العاشقين فأصبحت * عسرا علي طلابك ابنة مخرم هذا قول أبي عبيدة . والثاني : أن في الكلام إضمارا ، تقديره : فقل لهم : سيحوا في الأرض ، أي اذهبوا فيها ، وأقبلوا ، وأدبروا ، وهذا قول الزجاج . واختلفوا فيمن جعلت له هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقوال : أحدها : أنها أمان لأصحاب العهد ، فمن كان عهده أكثر منها ، حط إليها ، ومن كان عهده أقل منها ، رفع إليها ، ومن لم يكن له عهد ، فأجله انسلاخ المحرم خمسون ليلة ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، والضحاك . والثاني : أنها للمشركين كافة ، من له عهد ، ومن ليس له عهد ، قاله مجاهد ، والزهري ، والقرظي .