ابن الجوزي

256

زاد المسير في علم التفسير

فإن قيل : لم قال " لها " ولم يقل : " إليها " ؟ فالجواب : أن " اللام " و " إلى " تنوب كل واحدة منهما عن الأخرى . وفيمن أريد بهذه الآية قولان : أحدهما : المشركون ، وأنها نسخت بآية السيف . والثاني : أهل الكتاب . فإن قيل : إنها نزلت في ترك حربهم إذ بذلوا الجزية وقاموا بشرط الذمة ، فهي محكمة وإن قيل : نزلت في موادعتهم على غير جزية ، توجه النسخ لها بآية الجزية . وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ( 62 ) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ( 63 ) قوله تعالى : ( وإن يريدوا ) قال مقاتل : يعني يهود قريظة ( أن يخدعوك ) بالصلح لتكف عنهم ، حتى إذا جاء مشركو العرب ، أعانوهم عليك ( فإن حسبك الله ) . قال الزجاج : فإن الذي يتولى كفايتك الله ( هو الذي أيدك ) أي : قواك . وقال مقاتل : قواك بنصره وبالمؤمنين من الأنصار يوم بدر . قوله تعالى : ( وألف بين قلوبهم ) يعني الأوس والخزرج ، وهم الأنصار ، كانت بينهم عداوة في الجاهلية ، فألف الله بينهم بالإسلام . وهذا من أعجب الآيات ، لأنهم كانوا ذوي أنفة شديدة ، فلو أن رجلا لطم رجلا ، لقاتلت عنه قبيلته حتى تدرك ثأره ، فآل بهم الإسلام إلى أن يقتل الرجل ابنه وأباه . يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ( 64 ) قوله تعالى : ( حسبك الله ومن اتبعك ) فيه قولان : أحدهما : حسبك الله ، وحسب من اتبعك ، هذا قول أبي صالح عن ابن عباس ، وبه قال ابن زيد ، ومقاتل ، والأكثرون . والثاني : حسبك الله ومتبعوك ، قاله مجاهد . وعن الشعبي كالقولين . وأجاز الفراء والزجاج الوجهين . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أسلم مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] تسعة وثلاثون ، ثم أسلم عمر فصاروا أربعين ، فنزلت هذه الآية . قال أبو سليمان الدمشقي : وهذا لا يحفظ ، والسورة مدنية باجماع ، والقول الأول أصح .