ابن الجوزي

225

زاد المسير في علم التفسير

معنى قول الفراء . يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ( 15 ) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ( 16 ) قوله تعالى : ( لقيتم الذين كفروا زحفا ) الزحف : جماعة يزحفون إلى عدوهم ، قاله الليث . والتزاحف : التداني والتقارب ، قال الأعشى : لمن الظعائن سيرهن تزحف قال الزجاج : ومعنى الكلام : إذا واقفتموهم للقتال فلا تدبروا ( ومن يولهم ) يوم حربهم ( دبره ) إلا أن يتحرف ليقاتل ، أو يتحيز إلى فئة ، ف‍ " متحرفا " و " متحيزا " منصوبان على الحال . ويجوز أن يكون نصبهما على الاستثناء ، فيكون المعنى : إلا رجلا متحرفا أو متحيزا . وأصل متحيز : متحيوز ، فأدغمت الياء في الواو . قوله تعالى : ( ومأواهم جهنم ) أي : مرجعه إليها ، ولا يدل ذلك على التخليد . فصل اختلف العلماء في حكم هذه الآية ، فقال قوم : هذه خاصة في أهل بدر ، وهو مروي عن ابن عباس ، وأبي سعيد الخدري ، والحسن ، وابن جبير ، وقتادة ، والضحاك . وقال آخرون : هي على عمومها في كل منهزم ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا . وقال آخرون هي على عمومها ، غير أنها نسخت بقوله [ تعالى ] : ( فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ) فلس للمسلمين أن يفروا من مثليهم ، وبه قال عطاء بن أبي رباح . وروى أبو طالب عن أحمد أنه سئل عن الفراء من الزحف ، فقال : لا يفر رجل من رجلين ، فإن كانوا ثلاثة ، فلا بأس . وقد نقل نحو هذا عن ابن عباس ، وقال محمد بن الحسن : إذا بلغ الجيش اثني عشر ألفا ، فليس لهم أن يفروا من عدوهم ، وإن كثر عددهم . ونقل نحو هذا عن مالك ، ووجهه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما هزم قوم إذا بلغوا اثني عشر ألفا من قلة " إذا صبروا وصدقوا .