ابن الجوزي

209

زاد المسير في علم التفسير

أحدهما : أنهم المشركون ، أمر بالإعراض عنهم ، ثم نسخ ذلك بآية السيف . والثاني : أنه عام فيمن جهل ، أمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم ، وإن وجب عليه الإنكار عليهم . وهذه الآية عند الأكثرين كلها محكمة ، وعند بعضهم أن وسطها محكم ، وطرفيها منسوخان على ما بينا . وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ( 200 ) إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ( 201 ) قوله تعالى : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ) قال ابن زيد : لما نزلت " خذ العفو " قال النبي صلى الله عليه وسلم " يا رب كيف بالغضب " ؟ فنزلت هذه الآية . فأما قوله تعالى : ( وإما ) فقد سبق بيانه في ( البقرة ) في قوله : ( فإما يأتينكم مني هدى ) ، وقال أبو عبيدة : ومجاز الكلام : وإما تستخفنك منه خفة وغضب وعجلة . وقال السدي : النزغ : الوسوسة وحديث النفس . قال الزجاج : النزغ : أدنى حركة تكون ، تقول : قد نزغته : إذا حركته . وقد سبق معنى الاستعاذة . قوله تعالى : ( إذا مسهم طيف ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، والكسائي : " طيف " بغير ألف . وقرأ نافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة : " طائف " بألف ممدودا مهموزا . وقرأ ابن عباس ، وابن جبير ، والجحدري ، والضحاك : " طيف " بتشديد الياء من غير ألف . وهل الطائف والطيف بمعنى واحد ، أم يختلفان ؟ فيه قولان : أحدهما : أنهما بمعنى واحد ، وهما ما كان كالخيال والشئ يلم بك ، حكي عن الفراء . وقال الأخفش : الطيف أكثر في كلام العرب من الطائف ، قال الشاعر : ألا يا لقوم لطيف الخيال * أرق من نازح ذي دلال والثاني : أن الطائف : ما يطوف حول الشئ ، والطيف : اللمة والوسوسة والخطرة ، حكي عن أبي عمرو وروي عن ابن عباس أنه قال : الطائف : اللمة من الشيطان ، والطيف : الغضب . وقال ابن الأنباري : الطائف : الفاعل من الطيف ، والطيف عند أهل اللغة : اللمم من الشيطان ، وزعم مجاهد أنه الغضب . قوله تعالى : ( تذكروا ) فيه ثلاثة أقوال : أحدهما : تذكروا الله إذا هموا بالمعاصي فتركوها ، قاله مجاهد .