ابن الجوزي
20
زاد المسير في علم التفسير
والمراد بلقاء الله : البعث والجزاء ، والساعة : القيامة ، والبغتة : الفجأة . قال الزجاج : كل ما أتى فجأة فقد بغت ، يقال : قد بغته الأمر يبغته بغتا وبغتة : إذا أتاه فجأة . قال الشاعر : ولكنهم بانوا ولم أخش بغتة * وأفظع شئ حين يفجؤك البغت قوله تعالى : ( يا حسرتنا ) الحسرة : التلهف على الشئ ، وأهل التفسير يقولون : يا ندامتنا . فإن قيل : ما معنى دعاء الحسرة ، وهي لا تعقل ؟ فالجواب : أن العرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن عظيم ما تقع فيه ، جعلته نداء ، فتدخل عليه " يا " للتنبيه ، والمراد تنبيه الناس ، لا تنبيه المنادي . ومثله قولهم : لا أرينك هاهنا . لفظه لفظ الناهي لنفسه ، والمعنى للمنهي ، ومن هذا قولهم : يا خيل الله اركبي ، يراد : يا فرسان خيل الله . وقال سيبويه : إذا قلت : يا عجباه ، فكأنك قلت : احضر وتعال يا عجب ، فهذا زمانك . فأما التفريط فهو : التضييع . وقال الزجاج : التفريط في اللغة : تقدمة العجز . وفي المكني عنه بقوله : " فيها " ثلاثة أقوال : أحدها : أنها الدنيا ، فالمعنى : على ما ضيعنا في الدنيا من عمل الآخرة ، قاله مقاتل . والثاني : أنها الصفقة ، لأن الخسران لا يكون إلا في صفقة ، وترك ذكرها اكتفاء بذكر الخسران ، قاله ابن جرير . والثالث : أنها الطاعة ، ذكره بعض المفسرين . فأما الأوزار ، فقال ابن قتيبة : هي الآثام ، وأصل الوزر : الحمل على الظهر . وقال ابن فارس : الوزر : الثقل . وهل هذا الحمل حقيقة ؟ فيه قولان : أحدهما : أنه على حقيقته . قال عمير بن هانئ : يحشر مع كل كافر عمله في صورة رجل قبيح ، كلما كان هول عظمه عليه ، وزاده خوفا ، فيقول : بئس الجليس أنت ، مالي ولك ؟ فيقول : أنا عملك ، طالما ركبتني في الدنيا ، فلأركبنك اليوم حتى أخزيك على رؤوس الناس ، فيركبه ويتخطى به الناس حتى يقف بين يدي ربه ، فذلك قوله : ( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ) وهذا قول السدي ، وعمرو بن قيس الملائي ، ومقاتل . والثاني : أنه مثل ، والمعنى : يحملون ثقل ذنوبهم ، قاله الزجاج . قال . فجعل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل ما يتحمل ، ومعنى ( ألا ساء ما يزرون ) : بئس الشئ شيئا يزرونه ، أي يحملونه . وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ( 32 )