ابن الجوزي
197
زاد المسير في علم التفسير
وهذا المعنى مروي عن مجاهد . وقال الزجاج : لو شئنا لحلنا بينه وبين المعصية . قوله تعالى : ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) أي : ركن إلى الدنيا وسكن . قال الزجاج : يقال : أخلد وخلد ، والأول أكثر في اللغة . والأرض هاهنا عبارة عن الدنيا ، لأن الدنيا هي الأرض بما عليها . وفي معنى الكلام قولان : أحدهما : أنه ركن إلى أهل الدنيا ، ويقال : إنه أرضى امرأته بذلك ، لأنها حملته عليه . وقيل : أرضي بني عمه وقومه . والثاني : أنه ركن إلى شهوات الدنيا ، وقد بين ذلك بقوله [ تعالى ] : ( واتبع هواه ) والمعنى أنه انقاد لما دعاه إليه الهوى . قال ابن زيد : كان هواه مع قومه . وهذه الآية من أشد الآيات على أهل العلم إذ مالوا عن العلم إلى الهوى . قوله تعالى : ( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) معناه : أن هذا الكافر ، إن زجرته لم ينزجر ، وإن تركته لم يهتد ، فالحالتان عنده سواء كحالتي الكلب ، فإنه إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثا ، وإن ترك وربض كان أيضا لاهثا ، والتشبيه بالكلب اللاهث خاصة ، فالمعنى : فمثله كمثل الكلب لاهثا ، وإنما شبهه بالكلب اللاهث ، لأنه أخس الأمثال على أخس الحالات وأبشعها . وقال ابن قتيبة : كل لاهث إنما يلهث من إعياء أو عطش ، إلا الكلب ، فإنه يلهث في حال راحته وحال كلاله ، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته ، فقال : إن وعظته فهو ضال ، وإن لم تعظه فهو ضال ، كالكلب إن طردته وزجرته فسعى لهث ، أو تركته على حاله رابضا لهث . قال المفسرون : زجر في منامه عن الدعاء على بني إسرائيل فلم ينزجر ، وخاطبته أتانه فلم ينته ، فضرب له هذا المثل ولسائر الكفار ، فذلك قوله [ تعالى ] : ( ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ) لأن الكافر إن وعظته فهو ضال ، وإن تركته فهو ضال ، وهو مع إرسال الرسل إليه كمن لم يأته رسول ولا بينة . قولا تعالى : ( فاقصص القصص ) قال عطاء : قصص الذين كفروا وكذبوا أنبياءهم . ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ( 177 ) من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ( 178 ) قوله تعالى : ( ساء مثلا ) يقال : ساء الشئ يسوء : إذا قبح ، والمعنى : ساء مثلا مثل القوم ، فحذف المضاف ، فنصب " مثلا " على التمييز . قوله تعالى : ( وأنفسهم كانوا يظلمون ) أي : يضرون بالمعصية .