ابن الجوزي
146
زاد المسير في علم التفسير
على أنفسكم ، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا " . وفي الاعتداء المذكور هاهنا قولان : أحدهما : أنه الاعتداء في الدعاء . ثم فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن يدعو على المؤمنين بالشر ، كالخزي واللعنة ، قاله سعيد بن جبير ، ومقاتل . والثاني : أن يسأل مالا يستحقه من منازل الأنبياء ، قاله أبو مجلز . والثالث : أنه الجهر في الدعاء ، قاله ابن السائب . والثاني : أنه مجاوزة المأمور به ، قاله الزجاج . ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين ( 56 ) قوله تعالى : ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) فيه ستة أقوال : أحدها : لا تفسدوها بالكفر بعد إصلاحها بالإيمان . والثاني : لا تفسدوها بالظلم بعد إصلاحها بالعدل . والثالث : لا تفسدوها بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة . والرابع : لا تعصوا ، فيمسك الله المطر ، ويهلك الحرث بمعاصيكم بعد أن أصلحها بالمطر والخصب . والخامس : لا تفسدوها بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه . والسادس : لا تفسدوها بتكذيب الرسل بعد إصلاحها بالوحي . وفي قوله ( واعوه خوفا وطمعا ) قولان : أحدهما : خوفا من عقابه ، وطمعا في ثوابه . والثاني : خوفا من الرد وطمعا في الإجابة . قوله تعالى : ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) قال الفراء : رأيت العرب تؤن القريبة في النسب ، لا يختلفون في ذلك ، فإذا قالوا : دارك منا قريب ، أو فلانة منا قريب ، ومن القرب والبعد ، ذكروا وأنثوا ، وذلك أنهم جعلوا القريب خلفا من المكان ، كقوله : ( وما هي من الظالمين ببعيد ) ، وقوله تعالى : ( وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ) ، ولو أنث ذلك لكان صوابا .