ابن الجوزي
141
زاد المسير في علم التفسير
هنالك ، اطلع عليهم ربهم فقال لهم : " ادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم " . والثاني : أن أهل الأعراف يرون في الجنة الفقراء والمساكين الذين كان الكفار يستهزئون بهم ، كسلمان ، وصهيب ، وخباب ، فينادون الكفار : ( أهؤلاء الذين أقسمتم ) وأنتم في الدنيا ( لا ينالهم الله برحمة ) قاله ابن السائب . فعلى هذا ينقطع كلام أهل الأعراف عند قوله : ( برحمة ) ، ويكون الباقي من خطاب الله لأهل الجنة . وقد ذكر المفسرون في قوله : ( ادخلوا الجنة ) ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون خطابا من الله لأهل الأعراف ، وقد ذكرناه . والثاني : أن يكون خطابا من الله لأهل الجنة . والثالث : أن يكون خطابا من أهل الأعراف لأهل الجنة ، ذكرهما الزجاج . فعلى هذا الوجه الأخير ، يكون معنى قول أهل لأعراف لأهل الجنة : ( ادخلوا الجنة ) : اعلوا إلى القصور المشرفة ، وارتفعوا إلى المنازل المنيفة ، لأنهم قد رأوهم في الجنة . وروى مجاهد عن عبد الله بن الحارث قال : يؤتى بأصحاب الأعراف إلى نهر يقال له : الحياة ، عليه قضبان الذهب مكللة باللؤلؤ ، فيغمسون فيه ، فيخرجون ، فتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها ، ويقال لهم : تمنوا ما شئتم ، ولكم سبعون ضعفا ، فهم مساكين أهل الجنة . ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ( 50 ) قوله تعالى : ( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ) قال ابن عباس : لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة ، وطمع أهل النار في الفرج بعد اليأس ، فقالوا : يا رب ، إن لنا قرابات من أهل الجنة ، فائذن لنا حتى نراهم ونكلمهم ، فنظروا إليهم وإلى ما هم فيه من النعيم فعرفوهم . ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم ، قد اسودت وجوههم وصاروا خلقا آخر ، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم ، وأخبروهم بقراباتهم ، فينادي الرجل أخاه : يا أخي قد احترقت فأغثني ، فيقول : ( إن الله حرمهما على الكافرين ) . قال السدي : عني بقوله : ( أو مما رزقكم الله ) الطعام . قال الزجاج : أعلم الله عز وجل أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام والشراب ، وإن كان معذبا . الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون ( 51 )