ابن الجوزي
8
زاد المسير في علم التفسير
وقال أبو رجاء : كان الحسن يعدهن ، وأنا أنظر إلى أصابعه : مقام ، إبراهيم ومن دخله كان آمنا ، ولله على الناس حج البيت . وقال ابن جرير : في الكلام إضمار : تقديره : منهم مقام إبراهيم . قال المفسرون : الآيات فيه كثيرة ، منها مقام إبراهيم ، ومنها : أمن من دخله ، ومنها : امتناع الطير من العلو عليه ، واستشفاء المريض منها به ، وتعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته ، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا إخرابه ، إلى غير ذلك . قال القاضي أبو يعلى : والمراد بالبيت هاهنا : الحرم كله ، لأن هذه الآيات موجودة فيه ، ومقام إبراهيم ليس في البيت ، والآية في مقام إبراهيم أنه قام على حجر ، فأثرت : قدماه فيه ، فكان ذلك دليلا على قدرة الله ، وصدق إبراهيم . قوله [ تعالى ] : ( ومن دخله كان آمنا ) ، قال القاضي أبو يعلى : لفظه لفظ الخبر ، ومعناه : الأمر ، وتقديره : ومن دخله ، فأمنوه ، وهو عام فيمن جنى جناية قبل دخوله ، وفيمن جنى فيه بعد دخوله ، إلا أن الإجماع انعقد على أن من جنى فيه لا يؤمن ، لأنه هتك حرمة الحرم ورد الأمان ، فبقي حكم الآية فيمن جنى خارجا منه ، ثم لجأ إلى الحرم . وقد اختلف الفقهاء في ذلك ، فقال احمد في رواية المروذي : إذا قتل ، أو قطع يدا ، أو أتى حدا في غير الحرم ، ثم دخله ، لم يقم عليه الحد ، ولم يقتص منه ، ولكن لا يبايع ، ولا يشارى ، ولا يؤاكل حتى يخرج ، فان فعل شيئا من ذلك في الحرم ، استوفي منه . وقال أحمد في رواية حنبل : إذا قتل خارج الحرم ، ثم دخله ، لم يقتل . وإن كانت الجناية دون النفس ، فإنه يقام عليه الحد ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه . وقال مالك والشافعي : يقام عليه جميع ذلك في النفس ، وفيما دون النفس . وفي قوله [ تعالى ] : ( ومن دخله كان آمنا ) ، دليل على أنه لا يقام عليه شئ من ذلك ، وهو مذهب ابن عمر ، وابن عباس ، وعطاء ، والشعبي ، وسعيد بن جبير ، وطاوس . قوله [ تعالى ] : ( ولله على الناس حج البيت ) ، الأكثرون على فتح حاء " الحج " ، وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم : بكسرها . قال مجاهد : لما أنزل قوله [ تعالى ] : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) قال أهل الملل كلهم : نحن مسلمون ، فنزلت هذه الآية ، فحجه المسلمون ، وتركه المشركون ، وقالت اليهود : لا نحجه أبدا . قوله [ تعالى ] ( من استطاع إليه سبيلا ) ، قال النحويون : من بدل من " الناس " ، وهذا بدل البعض ، كما تقول : ضربت زيدا رأسه . وقد روي عن ابن مسعود ، وابن عمر ، وأنس ، وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل : ما السبيل ؟ فقال : " من وجد الزاد والراحلة " .