ابن الجوزي

56

زاد المسير في علم التفسير

والثاني : أن رجلا قال : يا ليتنا نعلم ما لقي إخواننا الذين استشهدوا ، فنزلت ، قاله مقاتل . والثالث : أن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور ، تحسروا ، وقالوا نحن في النعمة والسرور ، وآباؤنا ، وأبناؤنا ، وإخواننا ، في القبور ، فنزلت هذه الآية ، ذكره علي بن أحمد النيسابوري . فأما التفسير ، فمعنى الآية : لا تحسبنهم أمواتا كالأموات الذين لم يقتلوا في سبيل الله ، وقد بينا هذا المعنى في ( البقرة ) وذكرنا أن معنى حياتهم : أن أرواحهم في حواصل طير تأكل من ثمار الجنة ، وتشرب من أنهارها . قال مجاهد : يرزقون من ثمر الجنة . فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 170 ) قوله تعالى : ( فرحين ) قال ابن قتيبة : الفرح : المسرة ، فأما الذي آتاهم الله ، فما نالوا من كرامة الله ورزقه ، والاستبشار : السرور بالبشارة ( للذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ) إخوانهم من المسلمين . وفي سبب استبشارهم بهم ثلاثة أقوال : أحدها : أن الله تعالى ما أخبر بكرامة الشهداء ، أخبر الشهداء بأني قد أنزلت على نبيكم ، وأخبرته بأمركم ، فاستبشروا ، وعلموا أن إخوانهم سيحرصون على الشهادة ، قاله سعيد بن جبير . والثاني : يستبشرون بإخوانهم الذين يرجون لهم الشهادة ، يقولون : إن قتلوا نالوا ما نلنا من الفضل ، قاله قتادة . والثالث : أن الشهيد يؤتى بكتاب فيه ذكر من تقدم عليه من إخوانه وأهله ، وفيه يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا ، فيستبشر بقدومه ، كما يستبشر أهل الغائب به ، هذا قول السدي . " والهاء " و " الميم " في قوله تعالى : ( أن لا خوف عليهم ) تعود إلى الذين لم يلحقوا بهم . قال الفراء : معناه : يستبشرون لهم بأنهم لا خوف عليهم ، ولا حزن . وفي ماذا يرتفع " الخوف " و " الحزن " عنهم ؟ فيه قولان : أحدهما : لا خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم ، ولا يحزنون على ما خلفوا من أموالهم . والثاني : لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه ، ولا يحزنون على مفارقة الدنيا فرحا بالآخرة . يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ( 171 )