ابن الجوزي

19

زاد المسير في علم التفسير

وقال آخر : وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي انا أبتغيه * أم الشر الذي هو يبتغيني ومثله قوله [ تعالى ] : ( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ) ولم يذكر ضده ، لأن في قوله : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) . دليلا على ما أضمر من ذلك ، وقد رد هذا القول الزجاج ، فقال : قد جرى ذكر أهل الكتاب في قوله [ تعالى ] : ( كانوا يكفرون بآيات الله ، ويقتلون الأنبياء بغير حق ) فأعلم الله أن منهم أمة قائمة . فما الحاجة إلى أن يقال : وأمة غير قائمة ؟ وإنما بدأ بذكر فعل الأكبر منهم ، وهو الكفر والمشاقة ، فذكر من كان منهم مباينا لهؤلاء . قال : و ( آناء الليل ) ساعاته ، وواحد الآناء : إني . قال ابن فارس : يقال : مضى من الليل إني وإنيان ، والجمع : الآناء . واختلف المفسرون : هل هذه الآناء معينة من الليل أم لا ؟ على قولين : أحدهما : أنها معينة ، ثم فيها ثلاثة أقوال : أحدها : أنها صلاة العشاء ، قاله ابن مسعود ، ومجاهد . والثاني : أنها ما بين المغرب والعشاء ، رواه سفيان عن منصور . والثالث : جوف الليل ، قاله السدي . والثاني : أنها ساعات الليل من غير تعيين ، قاله قتادة في آخرين . وفي قوله [ تعالى ] : ( وهم يسجدون ) ، قولان : أحدهما : أنه كناية عن الصلاة ، قاله مقاتل ، والفراء ، والزجاج . والثاني : أنه السجود المعروف ، وليس المراد أنهم يتلون في حال السجود ، ولكنهم جمعوا الأمرين ، التلاوة والسجود . يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ( 114 ) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين ( 115 ) قوله [ تعالى ] : ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر وأبو بكر عن عاصم : تفعلوا ، وتكفروه ، بالتاء في الموضعين على الخطاب ، لقوله [ تعالى ] : ( كنتم خير أمة ) . قال قتادة : فلن تكفروه : لن يضل عنكم . وقرأ قوم ، منهم : حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وعبد الوارث عن أبي عمرو : يفعلوا ، ويكفروا بالياء فيهما ، إخبارا عن الأمة القائمة . وبقية