ابن الجوزي

13

زاد المسير في علم التفسير

والسادس : أنه أمر الله وطاعته ، قاله مقاتل بن حيان . قال الزجاج : وقوله : " جميعا " منصوب على الحال ، أي : كونوا مجتمعين على الاعتصام به . وأصل ( تفرقوا ) : تتفرقوا ، إلا أن التاء حذفت لاجتماع حرفين من جنس واحد ، والمحذوفة هي الثانية ، لأن الأولى دليلة على الاستقبال ، فلا يجوز حذف الحرف الذي يدل على الاستقبال ، وهو مجزوم بالنهي ، والأصل : ولا تتفرقون ، فحذفت النون ، لتدل على الجزم . قوله [ تعالى ] : ( واذكروا نعمة الله عليكم ) اختلفوا فيمن أريد بهذا الكلام على قولين : أحدهما : أنهم مشركو العرب ، كان القوي يستبيح الضعيف ، قاله الحسن ، وقتادة . والثاني : الأوس والخزرج ، كان بينهم حرب شديد ، قاله ابن إسحاق . والأعداء : جمع عدو . قال ابن فارس : وهو من عدا : إذا ظلم . قوله [ تعالى ] : ( فأصبحتم ) أي : صرتم ، قال الزجاج : وأصل الأخ في اللغة أنه الذي مقصده مقصد أخيه ، والعرب تقول : فلان يتوخى مسار فلان ، أي : ما يسره . والشفا : الحرف . واعلم أن هذا مثل ضربه الله لإشرافهم على الهلاك . وقربهم من العذاب ، كأنه قال : كنتم على حرف حفرة من النار ، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا الموت على الكفر . قال السدي : فأنقذكم منها محمد صلى الله عليه وسلم . ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ( 104 ) قوله [ تعالى ] : ( ولتكن منكم أمة ) قال الزجاج : معنى الكلام : ولتكونوا كلكم أمة تدعون إلى الخير ، وتأمرون بالمعروف ، ولكن " من " هاهنا تدخل لتحض المخاطبين من سائر الأجناس ، وهي مؤكدة أن الأمر للمخاطبين ، ومثله : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) معناه : اجتنبوا الأوثان ، فإنها رجس . ومثله قول الشاعر : أخو رغائب يعطيها ويسألها * يأبى الظلامة منه النوفل الزفر وهو النوفل الزفر . لأنه وصفه باعطاء الرغائب . والنوفل : الكثير الإعطاء للنوافل ، والزفر : الذي يحمل الأثقال . ويدل على أن الكل أمروا بالمعروف والنهي عن المنكر . قوله [ تعالى ] : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) قال : ويجوز أن يكون أمر منهم فرقة ، لأن الدعاة ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون إليه ، وليس الخلق كلهم علماء ينوب بعض الناس فيه عن بعض ، كالجهاد . فأما الخير ، ففيه قولان :