ابن الجوزي
39
زاد المسير في علم التفسير
سبب نزولها أن اليهود قالوا : هذا الذي يأتينا به محمد لا يشبه الوحي ، وإنا لفي شك منه ، فنزلت هذه الآية . وهذا مروي عن ابن عباس ومقاتل . و " إن " ها هنا لغير شك ، لأن الله تعالى علم أنهم مرتابون ، ولكن هذا عادة العرب ، يقول الرجل لابنه : إن كنت ابني فأطعني . وقيل : إنها هاهنا بمعنى إذ ، قال أبو زيد : ومنه قوله تعالى : ( وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) . قوله [ تعالى ] : ( فأتوا بسورة من مثله ) قال ابن قتيبة : السورة تهمز ولا تهمز ، فمن همزها جعلها من أسأرت ، يعني أفضلت لأنها قطعة من القرآن ، ومن لم يهمزها جعلها من سورة البناء ، أي منزلة بعد منزلة . قال النابغة في النعمان : ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب والسورة في هذا البيت : سورة المجد ، وهي مستعارة من سورة البناء . وقال ابن الأنباري : قال أبو عبيدة : إنما سميت السورة سورة لأنه يرتفع فيها من منزلة إلى منزلة ، مثل سورة البناء . ومعنى : أعطاك سورة ، أي : منزلة شرف ارتفعت إليها عن منازل الملوك . قال ابن القاسم : ويجوز أن تكون سميت سورة لشرفها ، تقول العرب : له سورة في المجد ، أي : شرف وارتفاع ، أو لأنها قطعة من القرآن من قولك : أسأرت سؤرا ، أي : أبقيت بقية ، وفي هاء " مثله " قولان : أحدهما : أنها تعود على القرآن المنزل ، قاله قتادة ، والفراء ومقاتل . والثاني : أنها تعود على النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فيكون التقدير : فأتوا بسورة من مثل هذا العبد الأمي ، ذكره أبو عبيدة والزجاج وابن القاسم . فعلى هذا القول تكون " من " لابتداء الغاية ، وعلى الأول : تكون زائدة . قوله [ تعالى ] : ( وادعوا ) . فيه قولان : أحدهما : أن معناه : استعينوا من المعونة ، قاله السدي والفراء . والثاني : استغيثوا من الاستغاثة ، وأنشدوا : فلما التقت فرساننا ورجالهم * دعوا يال كعب واعتزينا لعامر وهذا قول ابن قتيبة : وفي شهدائهم ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم آلهتهم ، قاله ابن عباس والسدي ومقاتل والفراء . قال ابن قتيبة : وسموا شهداء ، لأنهم يشهدونهم ، ويحضرونهم . وقال غيره : لأنهم عبدوهم ليشهدوا لهم عند الله .