ابن الجوزي

32

زاد المسير في علم التفسير

والثانية : أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة الحطب ، فهو له كغذاء الحيوان ، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة الاعتقاد ليدوم . والثالثة : أن الظلمة الحادثة بعد الضوء أشد على الإنسان من ظلمة لم يجد معها ضياء ، فشبه حالهم بذلك . صم بكم عمى فهم لا يرجعون ( 18 ) قوله [ تعالى ] : ( صم بكم عمي ) . الصمم : انسداد منافذ السمع ، وهو أشد من الطرش . وفي البكم ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الخرس ، قاله مقاتل ، وأبو عبيد ، وابن فارس . والثاني : أنه عيب في اللسان لا تتمكن معه من النطق ، وقيل : إن الخرس يحدث عنه . والثالث : أنه عيب في الفؤاد يمنعه أن يعي شيئا فيفهمه ، فيجمع بين الفساد في محل الفهم ومحل النطق . ذكر هذين القولين شيخنا . قوله [ تعالى ] : ( فهم لا يرجعون ) . فيه ثلاثة أقوال : أحدها : لا يرجعون عن ضلالتهم ، قاله قتادة ومقاتل . والثاني : لا يرجعون إلى الإسلام ، قاله السدي . والثالث : لا يرجعون عن الصمم والبكم والعمى ، وإنما أضاف الرجوع إليهم ، لأنهم انصرفوا باختيارهم ، لغلبة أهوائهم عن تصفح الهدى بآلات التصفح ، ولم يكن بهم صمم ولا بكم حقيقة ، ولكنهم لما التفتوا عن سماع الحق والنطق به ، كانوا كالصمم البكم ، والعرب تسمي المعرض عن الشئ : أعمى ، والملتفت عن سماعه : أصم ، قال مسكين الدارمي : ما ضر لي جارا أجاوره * ألا يكون لبابه ستر أعمى إذا ما جارتي خرجت * حتى يواري جارتي الخدر وتصم عما بينهم أذني * حتى يكون كأنه وقر أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين ( 19 ) قوله [ تعالى ] : ( أو كصيب من السماء ) . أو ، حرف مردود على قوله : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) واختلف العلماء فيه على ستة أقوال : أحدها : أنه داخل هاهنا للتخيير ، تقول العرب : جالس الفقهاء أو النحويين ، ومعناه : أنت