ابن الجوزي

347

زاد المسير في علم التفسير

فنحاص بن عازوراء دينارا ، فخانه ، وأهل الكتاب : اليهود . وقد سبق الكلام في القنطار . وقيل : إن " الباء " في قوله : " بقنطار " بمعنى " على " فأما الدينار ، فقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي ، قال : الدينار فارسي معرب ، وأصله : دنار وهو وإن كان معربا ، فليس تعرف له العرب اسما غير الدينار ، فقد صار كالعربي ، ولذلك ذكره الله عز وجل في كتابه ، لأنه خاطبهم بما عرفوا ، واشتقوا منه فعلا ، فقالوا : رجل مدنر : كثير الدنانير . وبرذون مدنر : أشهب مستدير النقش ببياض وسواد . فإن قيل : لم خص أهل الكتاب بأن فيهم خائنا وأمينا والخلق على ذلك ، فالجواب : أنهم يخونون المسلمين استحلالا لذلك ، وقد بينه في قوله [ تعالى ] : ( ليس علينا في الأميين سبيل ) فحذر منهم . وقال مقاتل : الأمانة ترجع إلى من أسلم منهم ، والخيانة إلى من لم يسلم . وقيل : إن الذين يؤدون الأمانة : النصارى ، والذين لا يؤدونها : اليهود . قوله [ تعالى ] : ( إلا ما دمت عليه قائما ) قال الفراء : أهل الحجاز يقولون : دمت ودمتم ، ومت ومتم وتميم يقولون : مت ودمت بالكسر ، ويجتمعون في " يفعل " يدوم ويموت . وفي هذا القيام قولان : أحدهما : أنه التقاضي ، قاله مجاهد ، وقتادة ، والفراء ، وابن قتيبة ، والزجاج . قال ابن قتيبة : والمعنى : ما دمت مواظبا بالاقتضاء له والمطالبة . وأصل هذا أن المطالب بالشئ يقوم فيه ويتصرف والتارك له يقعد عنه ، ( من أهل الكتاب أمة قائمة ) أي : عاملة غير تاركة ، وقال [ تعالى ] : ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) أي : آخذ لها بما كسبت . والثاني : أنه القيام حقيقة ، فتقديره : إلا ما دمت قائما على رأسه ، فإنه يعترف بأمانته ، فإذا ذهبت ثم جئت ، جحدك ، قاله السدي . قوله [ تعالى ] : ( ذلك ) يعني : الخيانة . والسبيل : الإثم والحرج ، ونظيره ( ما على المحسنين من سبيل ) قال قتادة : إنما استحل اليهود أموال المسلمين ، لأنهم عندهم ليسوا أهل كتاب . قوله [ تعالى ] : ( ويقولون على الله الكذب ) قال السدي : يقولون : قد أحل الله لنا أموال العرب . وفي قوله [ تعالى ] : ( وهم يعلمون ) قولان : أحدهما : يعلمون أن الله قد أنزل في التوراة الوفاء ، وأداء الأمانة . والثاني : يقولون الكذب ، وهم يعلمون أنه كذب . بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ( 76 )