ابن الجوزي
323
زاد المسير في علم التفسير
النبات الحسن ، قولان : أحدهما : أنه كمال النشوء ، قال ابن عباس : كانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام . والثاني : أنه ترك الخطايا . حدثنا أنها كانت لا تصيب الذنوب ، كما يصيب بنو آدم . قوله [ تعالى ] : ( وكفلها ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : " وكفلها " بفتح الفاء خفيفة ، و " زكرياء " مرفوع ممدود . وروى أبو بكر عن عاصم : تشديد الفاء ، ونصب " زكرياء " ، وكان يمد " زكرياء " في كل القرآن في رواية أبي بكر . وروى حفص عن عاصم : تشديد الفاء و " زكريا " مقصور في كل القرآن . وكان حمزة والكسائي يشددان و " كفلها " ، ويقصران " زكريا " في كل القرآن . فأما " زكريا " فقال الفراء : فيه ثلاث لغات : أهل الحجاز يقولون : هذا زكريا قد جاء ، مقصور ، وزكرياء ، ممدود ، وأهل نجد يقولون : زكري ، فيجرونه ، ويلقون الألف . وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي ، عن ابن دريد ، قال : زكريا اسم أعجمي ، يقال : زكري ، وزكرياء ممدود ، وزكريا مقصور . وقال غيره : وزكري ولا بتخفيف الياء ، فمن قال : زكرياء بالمد ، قال في التثنية : زكريا وان ، وفي الجمع زكرياوون ، ومن قال : زكريا بالقصر ، قال في التثنية زكريان كما نقول : مدنيان ، ومن قال : زكري بتخفيف الياء ، قال في التثنية : زكريان الياء خفيفه ، وفي الجمع : زكرون بطرح الياء . الإشارة إلى كفالة زكريا مريم قال السدي : انطلقت بها أمها في خرقها ، وكانوا يقترعون على الذين يؤتون بهم ، فقال زكريا وهو نبيهم يومئذ : أنا أحقكم بها ، عندي أختها ، فأبوا ، وخرجوا إلى نهر الأردن ، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها ، فجرت الأقلام ، وثبت قلم زكريا ، فكفلها ، قال ابن عباس : كانوا سبعة وعشرين رجلا ، فقالوا : نطرح أقلامنا ، فمن صعد قلمه مغالبا للجرية فهو أحق بها ، فصعد قلم زكريا ، فعلى هذا القول كانت غلبة زكريا بمصاعدة قلمه ، وعلى قول السدي بوقوفه في جريان الماء وقال مقاتل : كان يغلق عليها الباب ، ومعه المفتاح ، لا يأمن عليه أحدا ، وكانت إذا حاضت ، أخرجها إلى منزلة تكون مع أختها أم يحيى ، فإذا طهرت ، ردها إلى بيت المقدس . والأكثرون على أنه كفلها منذ كانت طفلة بالقرعة ، وقد ذهب قوم إلى أنه كفلها عند طفولتها بغير قرعة ، لأجل أن أمها ماتت ، وكانت خالتها عنده ، فلما بلغت ، أدخلوها الكنيسة لنذر أمها ، وإنما كان الاقتراع بعد ذلك بمدة ، لأجل سنة أصابتهم . فقال محمد بن إسحاق : كفلها زكريا إلى أن أصابت الناس سنة ، فشكا زكريا إلى بني إسرائيل ضيق يده ، فقالوا : ونحن أيضا كذلك ، فجعلوا يتدافعونها حتى اقترعوا ، فخرج السهم على جريج النجار ، وكان فقيرا وكان يأتيها باليسير ، فينمي ، فدخل زكريا ، فقال : ما هذا على قدر نفقة جريج ، فمن أين هذا ؟ قالت : هو من عند الله والصحيح ما عليه الأكثرون ، وأن القوم تشاحوا