ابن الجوزي
317
زاد المسير في علم التفسير
قوله [ تعالى ] : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ) في سبب نزولها أربعة أقوال : أحدها : أن عبادة بن الصامت كان له حلفاء من اليهود ، فقال يوم الأحزاب : يا رسول الله إن معي خمسمائة من اليهود ، وقد رأيت أن أستظهر بهم على العدو ، فنزلت هذه الآية ، رواه الضحاك عن ابن عباس . والثاني : أنها نزلت في عبد الله بن أبي ، وأصحابه من المنافقين كانوا يتولون اليهود ، ويأتونهم بالأخبار يرجون لهم الظفر من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : فنهى الله المؤمنين عن مثل فعلهم ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثالث : أن قوما من اليهود ، كانوا يباطنون نفرا من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم ، فنهاهم قوم من المسلمين عن ذلك ، وقالوا : اجتنبوا هؤلاء اليهود ، فأبوا ، فنزلت هذا الآية . روي عن ابن عباس أيضا . والرابع : أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره ، كانوا يظهرون المودة لكفار مكة ، فنهاهم الله [ عز وجل ] عن ذلك ، هذا قول المقاتلين ، ابن سليمان ، وابن حيان . فأما التفسير ، فقال الزجاج : معنى قوله [ تعالى ] : ( من دون المؤمنين ) أي : لا يجعل المؤمن ولايته لمن هو غير مؤمن ، أي : لا يتناول الولاية من مكان دون مكان المؤمنين ، وهذا كلام جرى على المثل في المكان ، كما تقول : زيد دونك ، ولست تريد المكان ، ولكنك جعلت الشرف بمنزلة الارتفاع في المكان ، والخسة كالاستفال في المكان . ومعنى ( فليس من الله في شئ ) أي : فالله برئ منه . قوله [ تعالى ] : ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) قرأ يعقوب ، والمفضل عن عاصم " تقية " بفتح التاء من غير ألف ، قال مجاهد : إلا مصانعة في الدنيا . قال أبو العالية : التقاة باللسان ، لا بالعمل . فصل والتقية رخصة ، وليست بعزيمة . قال الإمام أحمد : وقد قيل : إن عرضت على السيف تجيب ؟ قال : لا . وقال : إذا أجاب العالم تقية ، والجاهل بجهل ، فمتى يتبين الحق ؟ وسنشرح هذا المعنى في " النحل " عند قوله [ تعالى ] ( إلا من أكره ) ، إن شاء الله .