ابن الجوزي

214

زاد المسير في علم التفسير

قوله [ تعالى ] : ( يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) روى جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بعث رهطا واستعمل عليهم أبا عبيدة بن الحرث فلما انطلق ليتوجه بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فبعث مكانه عبد الله بن جحش ، وكتب له كتابا ، وأمره ألا يقرأه إلا بمكان كذا وكذا ، وقال : " لا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير معك " فلما صار إلى المكان ، قرأ الكتاب واسترجع ، وقال : سمعا لله ولرسوله فرجع رجلان من أصحابه ، ومضى بقيتهم ، فأتوا ابن الحضرمي فقتلوه ، فلم يدروا ذلك اليوم ، من رجب ، أو من جمادى الآخرة ؟ فقال المشركون : قتلتم في الشهر الحرام فنزلت هذه الآية ، فقال بعض المسلمين : لئن كان أصابهم خير فما لهم أجر ، فنزلت : ( إن الذين آمنوا والذين هاجروا ) إلى قوله : ( رحيم ) وقال الزهري : اسم ابن الحضرمي : عمرو ، واسم الذي قتله عبد الله بن واقد الليثي : قال ابن عباس : كان أصحاب النبي [ صلى الله عليه وآله وسلم ] ، يظنون تلك الليلة من جمادى ، وكانت أول رجب . وقد روى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في شيئين : أحدهما : هذا . والثاني : دخول النبي ، [ صلى الله عليه وآله وسلم ] ، مكة في شهر حرام يوم الفتح ، حين عاب المشركون عليه القتال في شهر حرام . وفي السائلين النبي ، [ صلى الله عليه وآله وسلم ] ، عن ذلك قولان : أحدهما : أنهم المسلمون سألوه : هل أخطؤوا أم أصابوا ؟ قاله ابن عباس وعكرمة ومقاتل . والثاني : أنهم المشركون سألوه على وجه العيب على المسلمين ، قاله الحسن ، وعروة ، ومجاهد . والشهر الحرام : شره رجب ، وكان يدعى الأصم ، لأنه لم يكن يسمع فيه للسلاح قعقعة تعظيما له ( قتال فيه ) أي : يسألونك عن قتال فيه . ( قل : قتال فيه كبير ) قال ابن مسعود وابن عباس : لا يحل . قال القاضي أبو يعلى : كان أهل الجاهلية يعتقدون تحريم القتال في هذه الأشهر ، فأعلمهم الله [ تعالى ] في هذه الآية ببقاء التحريم . فصل اختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم : هل هو باق أم نسخ ؟ على قولين : أحدهما : أنه باق روى ابن جريج أن عطاء كان يحلف بالله : ما يحل للناس الآن أن يغزوا