ابن الجوزي
156
زاد المسير في علم التفسير
يعقلون ( 171 ) يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ( 172 ) قوله [ تعالى ] : ( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق ) . في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال : أحدها : أن معناها : ومثل الذين كفروا كمثل البهائم التي ينعق بها الراعي ، وهذا قول الفراء ، وثعلب ، قالا جميعا : أضاف المثل إلى الذين كفروا ، ثم شبههم بالراعي ، ولم يقل : كالغنم ، والمعنى : ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت ، فلو قال لها الراعي : ارعي ، أو اشربي ، لم تدر ما يقول ، فكذلك الذين كفروا فيما يأتيهم من القرآن ، وإنذار الرسول ، فأضيف التشبيه إلى الراعي ، والمعنى في المرعي ، وهو ظاهر في كلام العرب ، يقولون : فلان يخافك كخوف الأسد ، والمعنى : كخوفه الأسد . قال الشاعر : كانت فريضة ما تقول كما * كان الزناء فريضة الرجم المعنى : كما كان الرجم فريضة الزنى . والثاني أن معناها : ومثل الذين كفروا ، ومثلنا في وعظهم ، كمثل الناعق والمنعوق به ، فحذف : ومثلنا ، اختصارا ، إذ كان في الكلام ما يدل عليه . وهذا قول ابن قتيبة ، والزجاج . والثالث : ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي يعبدون ، كمثل الذي ينعق ، هذا قول ابن زيد ، والذي ينعق هو الراعي ، يقال : نعق بالغنم ، ينعق نعقا ونعيقا ونعاقا ونعقانا . قال ابن الأنباري : والفاشي في كلام العرب إنه لا يقال : نعق ، إلا في الصياح بالغنم وحدها ، فالغنم تسمع الصوت ولا تعقل المعنى . ( صم بكم ) إنما وصفهم بالصم والبكم ، لأنهم في تركهم قبول ما يسمعون بمنزلة من لا يسمع ، وكذلك في النطق والنظر ، وقد سبق شرح هذا المعنى . إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ( 173 )