ابن الجوزي
112
زاد المسير في علم التفسير
أمية : لن أؤمن لك حتى تأتي بكتاب من السماء ، فيه : من الله رب العالمين إلى ابن أمية : اعلم أني قد أرسلت محمدا إلى الناس . وقال آخر : هلا جئت بكتابك مجتمعا ، كما جاء موسى بالتوراة . فنزلت هذه الآية . ذكره محمد بن القاسم الأنباري . وفي المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم قريش ، قاله ابن عباس ومجاهد . والثاني : اليهود ، قاله مقاتل . والثالث : جميع العرب ، قاله أبو سليمان الدمشقي . وفي ( أم ) قولان : أحدهما : أنها بمعنى : بل ، تقول العرب : هل لك علي حق ، أم أنت معروف بالظلم . يريدون : بل أنت . وأنشدوا : بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى * وصورتها أم أنت في العين أملح ذكره الفراء والزجاج . والثاني : انها بمعنى الاستفهام . فإن اعترض معترض ، فقال : إنما تكون للاستفهام إذا كانت مردودة على استفهام قبلها ، فأين الاستفهام الذي تقدمها ؟ فعنه جوابان : أحدهما : أنه قد تقدمها استفهام ، وهو قوله : ( ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ) ، ذكره الفراء ، وكذلك قال ابن الأنباري : هي مردودة على الألف في : ( ألم تعلم ) فإن اعترض على هذا الجواب ، فقيل : كيف يصح العطف ولفظ : ( ألم تعلم ) ينبئ عن الواحد ، و ( تريدون ) عن جماعة ؟ فالجواب : أنه إنما رجع الخطاب من التوحيد إلى الجمع ، لأن ما خوطب به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد خوطبت به أمته ، فاكتفى به من أمته في المخاطبة الأولى ، ثم أظهر المعنى في المخاطبة الثانية . ومثل هذا قوله [ تعالى ] : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) . ذكر هذا الجواب ابن الأنباري . فأما الجواب الثاني عن ( أم ) ، فهو أنها للاستفهام ، وليست مردودة على شئ . قال الفراء : إذا توسط الاستفهام الكلام ، ابتدئ بالألف وبأم ، وإذا لم يسبقه كلام ، لم يكن إلا بالألف أو ب " هل " . وقال ابن الأنباري : " أم " جارية مجرى " هل " ، غير أن الفرق بينهما : أن " هل " استفهام مبتدأ ، لا يتوسط ولا يتأخر ، و " أم " : استفهام متوسط ، لا يكون إلا بعد كلام . فأما الرسول هاهنا : فهو : محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والذي سئل موسى من قبل قولهم : ( أرنا الله جهرة ) .