ابن الجوزي

95

زاد المسير في علم التفسير

يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ( 85 ) قوله [ تعالى ] : ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ) أي : لا يسفك بعضكم دم بعض ، ولا يخرج بعضكم بعضا من داره . قال ابن عباس : ثم أقررتم يومئذ بالعهد ، وأنتم اليوم تشهدون على ذلك ، فالإقرار على هذا متوجه إلى سلفهم ، والشهادة متوجهة إلى خلفهم . ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) أي : يقتل بعضكم بعضا . روى السدي عن أشياخه قال : كانت قريظة حلفاء الأوس ، والنضير حلفاء الخزرج ، فكانوا يقاتلون في حرب سمير فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءها فيقتلون ويخبرون الديار ويخرجون منها ، فإذا أسر الرجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه ، فتعيرهم العرب بذلك ، فتقول : كيف تقاتلونهم وتفدونهم ؟ ! فيقولون : أمرنا أن نفديهم ، وحرم علينا قتلهم . فتقول العرب : فلم تقاتلونهم ؟ فيقولون : نستحيي أن تستذل حلفاؤنا ، فعيرهم الله ، عز وجل فقال : ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ) إلى قوله [ تعالى ] : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) فكان إيمانهم ببعضه : فداءهم الأسارى ، وكفرهم : قتل بعضهم بعضا . قوله [ تعالى ] : ( تظاهرون ) قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( تظاهرون ) وفي التحريم : ( تظاهرا ) بتخفيف الظاء وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بتشديد الظاء مع إثبات الألف . وروي عن الحسن وأبي جعفر ( تظهرون ) بتشديد الظاء من غير الف ، فالتظاهر : التعاون . قال ابن قتيبة : وأصله من الظهر ، فكأن التظاهر : أن يجعل كل واحد من الرجلين الآخر ظهرا له يتقوى به ، ويستند إليه . قال مقاتل : والإثم : المعصية والعدوان : الظلم . قوله [ تعالى ] : ( وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ) أصل الأسر : الشد . قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ( أسارى ) وقرأ الأعمش وحمزة ( أسرى ) قال الفراء : أهل الحجاز يجتمعون الأسير : " أسارى " وأهل نجد أكثر كلامهم " أسرى " وهو أجود الوجهين في العربية ، لأنه بمنزلة قولهم : جريح وجرحى ، وصريع وصرعى ، وروى الأصمعي عن أبي عمرو قال : الأسارى : ما شدوا ، والأسرى : في أيديهم ، إلا أنهم لم يشدوا . قال الزجاج : " فعلى " جمع لكل ما أصيب به الناس