ابن الجوزي
86
زاد المسير في علم التفسير
ذلك ، فقال : يا فتى يشتري بقرتك هذه موسى بن عمران لقتيل يقتل في بني إسرائيل . وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون ( 72 ) قوله تعالى : ( وإذ قتلتم نفسا ) هذه الآية مؤخرة في التلاوة ، مقدمة في المعنى ، لأن السبب في الأمر بذبح البقرة قتل النفس ، فتقدير الكلام : وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ، فسألتم موسى فقال : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) . ونظيرها قوله [ تعالى ] : ( ولم يجعل له عوجا قيما ) أراد : أنزل الكتاب قيما ، ولم يجعل له عوجا ، فأخر المقدم وقدم المؤخر ، لأنه من عادة العرب ، قال الفرزدق : إن الفرزدق صخرة ملمومة * طالت فليس تنالها الأوعالا أراد : طالت الأوعال . وقال جرير : طاف الخيال وأين منك لماما * فارجع لزورك بالسلام سلاما أراد : طاف الخيال لماما ، وأين هو منك ؟ وقال الآخر : خير من القوم العصاة أميرهم * - يا قوم فاستحيوا - النساء الجلس أراد : خير من القوم العصاة النساء ، فاستحيوا من هذا . ومعنى قوله : ( فادارأتم ) اختلفتم ، قاله ابن عباس ومجاهد . وقال الزجاج : ادارأتم ، بمعنى : تدارأتم ، أي : تدافعتم ، وألقى بعضكم على بعض ، تقول : درأت فلانا ، إذا دفعته ، وداريته : إذا لاينته ، ودريته إذا ختلته ، فأدغمت التاء في الدال ، لأنهما من مخرج واحد ، فأما الذي كتمود ، فهو أمر القتيل . فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ( 73 ) قوله [ تعالى ] : ( فقلنا اضربوه ببعضها ) . من قال : أقاموا في طلبها أربعين سنة ، قال : ضربوا قبره ، ومن لم يقل ذلك ، قال : ضربوا جسمه قبل دفنه ، وفي الذي ضرب به ستة أقوال : أحدها : أنه ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف ، رواه عكرمة عن ابن عباس . قال أبو سليمان الدمشقي : وذلك العظم هو أصل الأذن ، وزعم قوم أنه لا يكسر ذلك العظم من أحد فيعيش . قال الزجاج : الغضروف في الأذن ، وهو : ما أشبه العظم الرقيق من فوق الشحمة ، وجميع أعلى صدفة الأذن ، وهو معلق الشنوف ، فأما العظمان اللذان خلف الأذن الناتئان من مؤخر الأذن ، فيقال لهما : الخشاوان ، وأن الخششاوان ، وأحدهما : خشاء ، وخششاء .