إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
1155
زهر الآداب وثمر الألباب
لإصلاح أمر المعاد ، بإعداد الزّاد ، فلم أر طريقا أهدى إلى الرشاد مما أنا سالكه ، يراني أحدكم راكب فرس وهوس « 1 » ، فيقول : هذا أبو العجب ، لا ، ولكني أبو العجائب ، عاينتها وعانيتها ، وأمّ الكبائر قايستها وقاسيتها ، وأخو الأعلاق ، صعبا أخذتها ، وهونا أضعتها ، وغاليا اشتريتها ، ورخيصا بعتها ؛ فقد واللَّه صحبت لها المواكب ، وزاحمت المناكب ، ورعيت الكواكب ، وأنضيت الركائب ، ولا منّ عليكم ، فما حصلتها إلا لأمرى ، ولا أعددتها إلَّا لنفسي ، لكني دفعت إلى مكاره نذرت معها ألَّا أدخر عن المسلمين نفعها ، ولا بدّ لي أن أخلع ربقة هذه الأمانة من عنقي إلى أعناقكم ، وأعرض دوائى هذا في أسواقكم ، فليشتره منى من لا يتقزّز من موقف العبيد ، ولا يأنف من كلمة التوحيد ، وليصننه من أنجبت جدوده ، وسقى بالماء الطَّاهر عوده . قال عيسى بن هشام : فدرت إلى وجهه لأعلم علمه ، فإذا شيخنا أبو الفتح الإسكندرى ، وانتظرت إجفال النعامة بين يديه ، ثم تعرّضت فقلت : كم يحلّ دواءك هذا ؟ قال : يحلّ الكيس ما مست الحاجة ؛ فانصرفت وتركته . ومن إنشائه في هذا الباب : حدّثنا عيسى بن هشام قال : بينا أنا بمدينة السلام ، قافلا من البيت الحرام « 2 » ، أميس ميس الرّجلة « 3 » ، على شاطىء الدّجلة ، أتأمّل تلك الطرائف ، وأتقصّى تلك الزخارف ، إذ انتهيت إلى حلقة رجال مزدحمين ، يلوى الطَّرب أعناقهم ، ويشقّ الضحك أشداقهم ، فساقني الحرص إلى ما ساقهم ، حتّى وقفت بمسمع صوت رجل دون مرأى وجهه ، لشدّة الهجمة ، وفرط الزّحمة ، وإذا هو قرّاد يرقص قرده ، ويضحك من عنده ، فرقصت رقص المحرج ، وسرت سير الأعرج ، فوق أعناق الناس ، يلفظنى عاتق هذا لسرّة ذاك ، حتى افترشت لحية رجلين ، وقعدت بين اثنين ، وقد
--> « 1 » في المقامات « راكب فرس ، ناثر هوس » ( م ) « 2 » مدينة السلام : بغداد ، وقافلا : راجعا ( م ) « 3 » أميس : أتبختر ، والرجلة : ضرب من البقول يقال له « البقلة الحمقاء » ( م )