إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

929

زهر الآداب وثمر الألباب

أمراض تلوّنت علىّ ، وأساءت بي وإلىّ ، فأنا أشكر اللَّه تعالى إذ جعلها عظة وتذكيرا ، ولم يبق منها الآن إلا يسيرا ، أحسب أن الأمراض قد أقسمت على أن تجعل أعضائي مراتعها ، [ وآلت على أن تصيّر جوارحي مرابعها ] . علل لا يصدر منها [ آت إلا لتكدير ورد ] ولا يعزل منها وال إلا بولىّ عهد . قد كرّت تلك العلة فعادت عللا ، [ وسقتنى بعد نهل عللا ] « 1 » . علل برته برى الأخلَّة ، ونقصته نقص الأهلَّة ، وتركته حرضا ، وأوسعته مرضا ، وغادرته والخيال أكثف منه جثّة ، والطيف أوفر منه قوّة . عرض له من المرض ما صار معه القنوط يغاديه ويراوحه ، واليأس يخاطبه ويصافحه . قد ورد من سوء الظن أو خم المناهل ، وبات من حسن الرجاء على مراحل . طالعت الكرم يترجّح نجمه بين الإضاءة والأفول ، وتمثل شمسه بين الإشراق والغروب . أصبح فلان لا يقلّ رأسه « 2 » ، ولا يحور ظله ، ويد المنية تقرع بابه . ما هو للعلة إلا عرض ، ولسهام المنية إلا غرض . شاهدت نفسي وهى تخرج ، ولقيت روحي وهى تعرج ، وعرفت كيف تكون السّكرة ، وكيف تقع الغمرة ، وكيف طعم البعد والفراق ، وكيف تلتفّ الساق بالساق . مرض لحقتني روعته ، وملكتنى لوعته . وجدت في نفسي ألما أوحشه آنسه وآنسه أوحشه . بلغني من شكايته ما أوحش جناب الأنس ، وأراني الظلَّمة في مطلع الشمس . قد بلغني ما عرض لك من المرض ، وألمّ بك من الألم ؛ فتحامل على سوداء صدري ، وأقذى سواد طرفي ، وفد استنفد القلق لعلَّتك ما أعدّه الصبر من ذخيرة ، وأضعف ما قوّاه العزم من بصيرة . قلبي يتقلَّب على حدّ السيف إلى أن أعرف انكشاف العارض وزياله ، وأتحقّق انحساره وانتقاله . أنهى إلى من الخبر العارض ، حسم اللَّه مادّته ، وقصّر مدّته ، ما أراني الأفق مظلما ، والعيش مبهما .

--> « 1 » النهل : الشرب الأول ، والعلل : الشرب ثانيا ، وكلاهما بالتحريك . « 2 » لا يقل رأسه : لا يرفعه ، أو لا يحمله .