إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

1111

زهر الآداب وثمر الألباب

فلا عجب أن يمسك في هذا العارض ما يمسّ أولى المشاركة ، ويخصّك من الاهتمام ما خص ذوى المشابكة . وله إليه أيضا في أمر غزاة : ورد خبرك أكرمك اللَّه تعالى بنفوذك لوجهك فيمن جمعهم اللَّه تعالى للسّعى في سبيله إلى جملتك ؛ فامّلنا أن يكون ذلك موصولا بأعظم الخيرة ، مؤدّيا إلى أحسن المغبّة . إلا أنّا أحسسنا من الغزاة الذين بهم تعتضد ، وإياهم تستنجد ، فتور نيّات ، وفساد طويّات ؛ وهذا كما علمت باب عظيم يجب الاطلاع بالفكر والرأي عليه ، والاحتراس بالجدّ والجهد من الخطل فيه . [ فسبيلك أن تتأمّل أمرك بعين استقصاء العورة ، واستدراك الآخرة ] ، فإن أنت وجدت في عدتك تمام القدرة ، وفى عدّتك مقدار الكفاية ، ولم تجد نيّات أولئك الغزاة مدخولة ، ولا عراهم محلولة « 1 » ، استخرت اللَّه تعالى في المسير بكلّ ما تقدر عليه من الحزم في أمرك ، ثم إن تكن الأخرى ، وكان القوم على ما ذكرت من كلال البصائر ، وضعف المرائر « 2 » ، عملت على التلوّم لحديث يحدّثك به كتابنا هذا إن اجتليت ما ذكرته ، وإن لم تبلغ بلاغة ما اخترته ، فاعتلق بذيله « 3 » . [ من مقامات بديع الزمان ] وهذه المقامة من إنشاء البديع ، قال عيسى بن هشام : غزوت الثغر بقزوين سنة خمس وسبعين ، فما اجتزنا حزنا ، إلَّا هبطنا بطنا ، حتى وقف بنا المسير على بعض قراها ، فمالت الهاجرة بنا إلى ظل أثلاث في حجرها عين كلسان الشمعة ، أصفى من الدمعة ، تسيح في الرّضراض ، سيح النّضناض « 4 » ؛ فنلنا من المأكل ما نلنا ، ثم ملنا إلى الظل فقلنا ؛ فما ملكنا النوم حتى سمعنا صوتا أنكر من صوت الحمار ، ورجعا أضغف من رجع الحوار ، يشفعهما صوت طبل كأنه خارج

--> « 1 » العرى : جمع عروة ، وأصلها أخت الزر من الثوب ، ويشبه به البنك من الناس ( م ) « 2 » الكلال : الضعف ، والبصائر : جمع بصيرة ، وهى العقل والفطنة ، والمرائر : جمع مريرة وهى العزيمة ، وأصلها ما لطف وطال واشتد فتله من الحبال ( م ) « 3 » اعتلق بذيله : نمسك به ( م ) « 4 » الرضراض : الحصى ، والنضناض : الحية التي تتلوى دائما ( م )