إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

1093

زهر الآداب وثمر الألباب

لقد عشت مبسوط اليدين مرزّأ وعوفيت عند الموت من ضغطة القبر وأفلتّ من ضيق التراب وغمّه ولم تفقد الدنيا ؛ فهل لك من شكر فما تشتفى عيناي من دائم البكى عليك ، ولو أنى بكيت إلى الحشر فطوبى لمن يبكى أخاه مجاهرا ولكنني أبكى لفقدك في ستر [ كلام لا يحتمل الجواب ] وكتب محمد بن كثير إلى هارون الرشيد : يا أمير المؤمنين ؛ لولا حظ كرم الفعل في مطالع السؤال ، لألهى المطل قلوب الشاكرين ، ولصرف عيون الناظرين إلى حسن المحبة ، فأىّ الحالين يبعد قولك عن مجاز فعلك ؟ فقال هارون الرشيد : هذا الكلام لا يحتمل الجواب ؛ إذ كان الإقرار به يمنع من الاحتجاج عليه . [ تعجيل الإحسان ] وقال يحيى بن أكثم للمأمون يذكر حاجة له قد وعده بقضائها ، واغفل ذلك : أنت يا أمير المؤمنين أكرم من أن نعرّض لك بالاستنجاز ، ونقابلك بالادّكار ، وأنت شاهدي على وعدك ، وأن تأمر بشئ لم تتقدّم أيامه ، ولا يقدر زمانه ، ونحن أضعف من أن يستولى علينا صبر انتظار نعمتك ، وأنت الذي لا يؤوده « 1 » إحسان ، ولا يعجزه كرم ؛ فعجّل لنا يا أمير المؤمنين ما يزيدك كرما ، وتزداد به نعما ، ونتلقّاه بالشكر الدائم . فاستحسن المأمون هذا الكلام ، وأمر بقضاء حاجته . قدم على المأمون رجل من أبناء الدهاقين وعظمائهم ، من أهل الشام ، على عدة سلفت له من المأمون « 2 » ، من توليته بلده ، وأن يضمّ إليه مملكته ، فطال على

--> « 1 » لا يؤوده : لا يعجزه ولا يضعفه ( م ) « 2 » عدة : وعد ، وسلفت : مضت ( م )