إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

919

زهر الآداب وثمر الألباب

وأعدّه من خالص ملكي منتسب إلى عطائه ، أو مكتسب بجميل آرائه . مسافة بصرى تبعد إن سافرت في مواهبه ، وركائب فكرى تطلح « 1 » إن أنضيتها في استقراء صنائعه . نعمته نعمة عمّت الأمم ، وسبقت النعم ، وكشفت الهموم ورفعت الهمم ، نعمه قد سطع صباحها مستنيرا ، وطنب شعاعها مستطيرا ، قد عرفتني نعمه حتى استنفدت شكر لساني ويدى وأتعبت ظهري ، وملأت صدري . نعمه عندي مشرقة الجوّ ، مغرقة النوء ، مونقة الضوء . تتابعت نعمه تتابع القطر على القفر ، وترادفت مننه ترادف الغنى إلى ذوى الفقر . نعمه أشرقت بها أرضى ، ومطر بها روضى ، وورى لها زندى ، وعلامعها جدّى ، وأتاني الزمان يعتذر من إساءته ، وجاءني الدهر ينتظر أمرى . نعمه أنعمت البال ، وسرّت النفس والحال . نعم تعمّ عموم المطر ، وتزيد عليه بإفراد النفع عن الضرر . نعم تضعف الخواطر عن التماسها ، وتصغر القرائح عن اقتراحها . له أياد قد عمّت الآفاق ، ووسمت الأعناق ، وأياد قد حبست عليك الشكر ، واستعبدت لك الحر . منن توالت توالى القطر ، واتسعت سعة البرّ والبحر ، وأثقلت كاهل الحرّ . عندي قلادة منتظمة من مننه قد جعلتها وقفا على نحور الأيام ، وجلوتها على أبصار الأنام . أياد يقصر عن حقوقها جهد القول ، وتزهر فيها سواطع الإنعام والطَّول . أياديه أطواق في أجياد الأحرار ، وأفلاك تدور على ذوى الأخطار . له منن تضعف عن تحملها عواتق الأطواد ، ويتضاعف حملها على السّبع الشداد ، لو تحمل الثّقلان ثقل هذا الامتنان لأثقل كواهلهم وأضعف عواتقهم . أياد يفرض لها الشكر ويحتم ، ومنن يبتدأ بها الذكر ويختم . أياد تثقل الكاهل ، ومنن تتعب الأنامل . منن تضعف منن الشكر « 2 » ، وينشر معها قوى النّشر ، منن هي أحسن أثرا من الغيث في أزاهير الربيع ، وأحلى موقعا من الأمن عند الخائف المروع . إن أتعبت نفسي في

--> « 1 » تطلح : تعيى وتضعف وتكل ( م ) « 2 » منن الأولى جمع منة بمعنى العطية وهى بكسر الميم ، ومنن الثانية جمع منة بمعنى القوة وهى بضم الميم ( م )