إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

916

زهر الآداب وثمر الألباب

وما اللَّجج الملاح مرويّات ويلفى الرّىّ في النّطف العذاب [ جمل من ألوان المديح ] وقال رجل لخالد القسري : واللَّه إنك لتبذل ماجلّ ، وتجبر ما انفلّ ، وتكثر ما قلّ ؛ ففضلك بديع ، ورأيك جميع ، تحفظ ما شذّ ، وتؤلف ما ندّ . وسئل أعرابي عن قومه ، فقال : يقتلون الفقر ، عند شدّة القرّ ، وأرواح الشتاء ، وهبوب الجر بياء « 1 » ، بأسنمة الجزور ، ومترعات القدور ، تهش وجوههم عند طلب المعروف ، وتعبس عند لمعان السيوف . ووصف أعرابي قوما فقال : لهم جود كرام اتّسعت أحوالها ، وبأس ليوث تتبعها أشبالها ، وهمم ملوك انفسحت آمالها ، وفخر آباء شرفت أخوالها . وقال خالد بن صفوان ، وقد دخل على بعض الولاة : قدمت فأعطيت كلَّا بقسطه من نظرك [ ومجلسك ] ، وصوتك ، وعدلك ، حتى كأنك من كلّ أحد ، وحتى كأنك لست من أحد . وذكر خالد رجلا فقال : كان واللَّه بديع المنطق ، ذلق الجرأة ، جزل الألفاظ ، عربىّ اللسان ، ثابت العقدة ، رقيق الحواشى ، خفيف الشفتين ، بليل الريق ، رحب الشرف ، قليل الحركات ، خفىّ الإشارات ، حلو الشمائل ، حسن الطلاوة ، حييّا جريّا ، قؤولا صموتا ، يفل الحزّ ، ويصيب المفاصل ، لم يكن بالهذر في منطقه ، ولا بالزمر في مروءته ، ولا بالخرق في خليقته ، متبوعا غير تابع ، كأنه علم في رأسه نار . وقال بعض البلغاء لرئيسه : إنّ من النعمة على المثنى عليك أنه لا يأمن التقصير ، ولا يخاف الإفراط ، ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب ، ولا ينتهى به المدح إلى غاية إلَّا وجد في فضلك عونا على تجاوزها . ومن سعادة جدّك أن الداعي لا يعدم كثرة المشايعين ، ومساعدة النيّة على ظاهر القول .

--> « 1 » الجربياء : ريح الشمال ، أو بردها ، أو هي ريح بين الشمال والجنوب ( م )